المالكي في المواجهة الأخيرة!

لا احسب ابدا ان رئيس وزراء العراق السيد نوري المالكي لا يدرك خطورة مايمر به البلد من أزمة أخيرة عصفت به بعد سلسلة التظاهرات التي أعقبت أعتقال عدد كبير من افراد حماية القيادي في القائمة العراقية ووزير المالية السيد رافع العيساوي يوم الخميس 20-12-2012، والتي تطورت بعدها هذه التظاهرات، بشكل ملفت، الى احتجاجات واعتصامات بدأت في محافظة الانبار وانتقلت بعدها الى بقية المحافظات ذات الغالبية السنية فضلاً بعض مساجد بغداد التي تشهد تجمعات في يوم الجمعة.

لم تكن التظاهرات في بدايتها تشكل أزمة أو مشكلة كبيرة بالنسبة لدائرة وعي المالكي ولا بالنسبة لحزبه وطاقم مستشاريه المقربين، اذ كان يحسبها، في ظني وقراءتي لما يفكر به، ليست اكثر من احتجاج عدد معين من الناس تابعين لسياسي ما من اجل تحقيق غرض وهدف معين حزبي او فئوي خاص شأنه ِشان ماحدث من تنديد واحتجاج بعد اعتقال حماية نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي واصدار احكام بالاعدام عليه.

لكن الأمر جرى على نحو مغاير لما تتمناه وتشتهيه سفينة المالكي التي تسير منذ تربعه على كرسي ولايته الثانية عام 2010 وسط امواج عاتية وعواصف ضاربة حاولت بكل قوة تكسير أشرعة هذه السفينة واغراقها او على الاقل منعها من الابحار في الطريق الذي رسمتها لنفسه والذي كان مغايرا لطريق ومنهج الاخرين.

كان تطور هذه التظاهرات الى أحتجاجات وخضوعها وانتقالها من ساحة التفكير السياسي المنفرد الشبه عقلاني الى ساحات فوضى سايكولوجيا الجماهير التي لا تخضع لضوابط العقل والتفكير والموضوعية كما وضّحها على نحو مفصل المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه الشهير "سايكولوجيا الجماهير" نقول كان هذا التطور مفاجئا، وربما مباغتا، بالنسبة للمالكي الذي لم يكن يتوقع ان يتحول اعتقال بضعة اشخاص متهمين بالارهاب الى تظاهرات كبيرة تحمل مضامين وشعارات سياسية وطائفية ضد المالكي شخصيا.

تتسم هذه التظاهرات باربع سمات أصبحت من خلالها تشكل مشكلة كبيرة بالنسبة للمالكي، ولولاها لما اصبحت هذه التظاهرة ذات قيمة او يكون لها تأثير في حسابات المالكي واجندته السياسية، وهي كما يلي:

السمة الاولى: عددها الكبير جدا الذي لم يكن له مثيل في واقع التظاهرات الشعبية في المحافظات ذات الغالبية السنية بعد سقوط نظام صدام عام 2003.

السمة الثانية: التنظيم الملفت للانتباه فيها الذي بدا جليا بشكل كبير في المكان والزمان والتحركات التي تتصف بها والاجراءات المتعلقة بذلك.

السمة الثالثة: الاصرار على استمرار التظاهر على الرغم من تحقيق العديد من المطالب التي رفعتها تلك الجماهير.

السمة الرابعة: استخدام الورقة الطائفية في هذه التظاهرات ورفع شعارات تزعم وجود "مظلومية" لسنة العراق.

ولذا أضحت هذه التظاهرات عقبة ومشكلة كبيرة بالنسبة للمالكي الذي بدأ فعليا بالقيام بالعديد من الخطوات التي من شأنها تحقيق بعض من مطالبها التي وصفها بنفسه انها مشروعة وتقع مسؤولية الاستجابة لها على جميع الاطراف ومن ضمنها البرلمان العراقي لا عليه فحسب باعتباره رئيس مجلس الوزراء.

بالطبع ان على السيد المالكي مهمة مضاعفة في هذا الشأن، فلا ينبغي بالنسبة له معرفة مطالب المتظاهرين التي يرفعوها خلال التظاهر، فهذا امر بسيط ومن الممكن لاي سياسي بل اي انسان ان يعرفها، بل ينبغي له، بل يجب عليه، ان يُدرك القوى المحركة لنفسية الجمهور الذي يتواجد في مكان التظاهرة لان "معرفة نفسية الجماهير تشكل المصدر الاساسي لرجل الدولة" كما يقول لوبون في ص48 من كتابه "سايكولوجيا الجماهير".

ان على المالكي ان يبحث عن اجابة السؤال الذي طرحة لوبون في كتابه اعلاه وبالضبط ص88 منه وهو سؤال "كيف يمكن التأثير على خيال الجماهير؟" فخيال الجماهير ونفسيتها هما الجوهر الاساسي في هذه القضية، وعلى المالكي ان يُدرك ان مفتاح حل هذه الازمة يكمن في فك شفرة طلبات هذه الجماهير والتعامل معها على نحو تمتزج فيها العقلانية مع مخاطبة الخيال وادراك كنه هذه النفسية التي تتظاهر منذ اكثر من اربع اسابيع.

من وجهة نظري ان هذه الازمة هي المواجهة الاخيرة التي يدخل فيها المالكي مع خصومه، وهي مواجهة خطرة وليست سهلة كما كان غيرها من الازمات والمشكلات لانها ازمة "مجتمعية" تتعلق بمكون مجتمعي من مكونات الشعب العراقي يظن ان "مُضطهد" ويتلقى التحريض من اعداء المالكي في الداخل والخارج، بينما كانت المواجهات والازمات السابقة سياسية بامتياز تتعلق بخلاف حول تفسير نصوص الدستور العراقي او حول الصلاحيات المناطة بمنصب المالكي او خلافات داخل البرلمان العراقي او غيرها من الخلافات التي لم تتدحرج كرتها نحو المجتمع كما هو الحال في الازمة الراهنة.

وقد ظهر جليا هذا من خلال رد فعل المتظاهرين مع الحكومة، اذ ان الحكومة قد قامت بالعديد من الخطوات التي تعتبر متقدمة في سبيل معالجة الكثير من المشكلات التي طرحها المتظاهرون لا بل اعتذرت وعلى لسان، رئيس اللجنة المكلفة بالنظر بمطالب المتظاهرين الدكتور حسين الشهرستاني من كل الاخطاء الخاصة بالمعتقلين وبرغم ذلك مازالت التظاهرات على حالها ولم تهدأ لحد الان مما يعني ان القضية اكبر من كونها مجموعة طلبات يرغب المتظاهرون بتنفيذها، ولذا تتطلب عقلية من نوع خاص وبادوات جديدة تجيد التعامل معها وتسحب البساط ممن يحاولون الانتفاع منها وتحقيق مكاسب سياسية من خلال الظهور بمظهر المدافع عن الشعب العراقي.