الأقصر في حياة شاعر الكرنك

أنا هيمانُ

سنة واحدة عاشها فى الأقصر مدرسا بمدرستها الصناعية استطاعت أن تعيد تشكيل وجدانه الشعرى وتلهمه رائعة من أروع ابداعاته "قصيدة الكرنك" فعندما لحنها وغناها موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب ذاع صيته وارتبط اسمه بالكرنك وصار احمد فتحى يلقب بشاعر الكرنك.

ولد احمد فتحى إبراهيم سليمان بقرية كفر الحمام بمحافظة الشرقية في 11 اغسطس/آب 1912 لأسرة متوسطة الحال تنتمى لقبيلة الفايد العربية الشهيرة، وكان والده من شيوخ الأزهر مثقفا ثائرا شارك فى ثورة 1919 وكان احد شعرائها واعتقل مرات عديدة.

وانتقل مع أسرته الى الإسكندرية وأقام بحي الجمرك، وبعد ان حفظ القرآن الكريم التحق بالمدرسة الابتدائية بالإسكندرية ثم بالمدرسة الثانوية بالقاهرة حيث انتقل والده اليها.

ولكن حياة الترحال والضياع جعلته يفشل فى الحصول على شهادة الكفاءة، فالتحق بمدرسة الفنون والصنايع التي تخرج منها عام 1930 والتحق بعمل في جمرك الإسكندرية.

ورغم ان والده ترك له مكتبة زاخرة شكلت ثقافته الرفيعة إلا أن وفاة والده أشعرته بالضياع وجرته الى معاقرة الخمر والى الخوض في مغامرات عاطفية في سن صغيرة، ورغم كل هذا تدفقت فيه موهبة شعرية مفعمة بالرومانسية والمعاني الجميله والالفاظ الجزلة العميقة أهلته لينضم الى جماعة أبوللو التي نشرت له مجلتها قصائد رومانسية حالمة منها قصيدته:

نوحى على قلق الغصون ورجعي

يا طير أهـات الفؤاد الموجع

واستودعي الإلحان من حرق النوى

وشجونه ماشئت أن تستـودعي

ثم انتقل للعمل بمدرسة الصناعات بالسويس عام 1932.

ولأنه كان معلما هائما في دنيا الشعر والمغامرات تم نقله الى الأقصر، وكان الصعيد أيامها منفى لعقاب المارقين.

لكن الأقصر بتاريخها التليد ومعابدها الشامخة والفراغ والوحدة التي عاشها فيها والنيل والقمر والشمس الدافئة فتحت في وجدان احمد فتحي روحا جديدة عانق فيها التاريخ وعشق الجمال وجوها الروحاني أبعده عن مجالس الندامى وجلسات الأنس.

كان يجرى في عروقه دم جديد مفعم بالتاريخ عاشق للحضارة يقضي لياليه بين أثار الأجداد يناجي القمر وعندما لحن له عبدالوهاب رائعته "الكرنك":

حُلم لاح لعين الساهر

وتهادى في خيالٍ عابرِ

وهفا بين سكون الخاطرِ

يصل الماضي بيُمْن الحاضرِ

***

طاف بالدنيا شعاع من خيالِ

حائرٌ يسألُ عن سرِّ الليالي

يا له من سرّها الباقي ويالي

لوعة الشادي ووهمُ الشاعرِ

***

صحت الدنيا على صُبْحٍ رطيبِ

وصغا المعبد للحن القريبِ

مرهفًا، ينسابُ من نبع الغيوبِ

ويُغاديه بفنِّ الساحر

***

حين ألقى الليل للنور وشاحه

وشكا الطلُّ إلى الرملِ جراحه

يا تُرى هل سمع الفجرُ نُواحهْ

بين أنداءِ النسيم العاطرِ؟

***

ها هنا الوادي وكم من مَلكِ

صارعَ الدهر بظلِّ الكرْنكِ

وادعًا يرقبُ مسرى الفلكِ

وهو يسْتحيي جلال الغابر

***

أين يا أطلال جندُ الغالبِ؟

أين آمون وصوتُ الراهبِ؟

وصلاة ُ الشمسِ؟ وهْمى طارَ بي

نشوة تُزْرى بِكرْمِ العاصرِ

***

أنا هيمانُ ويا طول هيامي

صور الماضي ورائي وأمامي

هيَ زهري، وغنائي، ومُدامي

وهي في حُلْمي جناحُ الطائرِ

***

ذلك الطائرُ مخضوبُ الجناحِ

يسعدُ الليل بآيات الصباحِ

ويغني في غُدوٍّ ورواحِ

بين أغصانٍ ووردٍ ناضرِ

***

في رياض نضّر الله ثراها

وسقى من كرم النيل رُباها

ومشى الفجرُ إليها، فطواها

بين أفراحِ الضياءِ الغامرِ

بدأ نجم الشاعر في السطوع والانتشار، وفي العام الذي قضاه في الاقصر اذاعت له الاذاعة 19 أغنية منها: "ازكرى عهدنا" لحن حليم الرومي غناء رجاء عبده في3/1/1941، وأغنية "الكرنك" الحان وغناء محمد عبدالوهاب في 8/1/1941. "ليلة" لحن وغناء حليم الرومي 18/1/1941. "أيها القلب" لحن رياض السنباطي غناء صالح عبد الحي 1/2/1941. وغيرها.

وينتقل شاعرنا للعمل بالفيوم، وفيها تواصل عطاؤه الشعري، ثم انتقل للعمل مع الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، ثم عمل مذيعا ومترجما في الإذاعة البريطانية، وأحب انجليزية جميلة تدعى كارول أنجب منها ابنة اسماها عائشة ورحلته السلطات البريطانية، وحرمته من تجديد الإقامة، وحرمته من حياته الأسرية وعايش مرحلة ضياع جديدة فلم ير ابنته التي عاشت مع زوجته وغيرت اسمها الى جوزفين، ولم يرها إلا قبل وفاته بقليل، ودبر له الأمير الشاعر عبدالله الفيصل عملا بإذاعة السعودية، وعاش قصة حب مع امرأة متزوجة شغف بها وشغفت به عشر سنوات كاملة من الوجد والهيام، لكن العلاقة لم تستمر، لكنها ألهمته رائعته التي تغنت بها كوكب الشرق أم كلثوم، وصورت اشجانه وسيرتة الذاتية والامه "قصة الأمس":

أن لن أعود اليك مهما استرحمت دقات قلبي

أنت الذي بدأ الملالة والصدود وخان حبي

فإذا دعوت اليوم قلبي للتصـــــــــافي لن يلبي

ولم يترك احمد فتحى سوى ديوان واحد اسمه ( قال الشاعر) وتناول صالح جودت سيرته في كتاب، كما نشرت أعماله الكاملة في إصدار لدار الدار للنشر تضمنت أشعاره وكتاباته.

كانت قصة الأمس حكاية الحياة القلقة التي عاشها والضياع الذي لازمه فعاش وحيدا شاردا في غرفة بفندق كارلتون بشارع 26 يوليو بالقاهرة، كانت هي قصيدته الأخيرة حيث لقى ربه في 3 يوليو/تموز 1960 ودفن بمقابر الإمام الشافعى ولسان حاله يقول:

ماذا أفدت بأشعارى وروعتها

سوى علاقـــــــــــة تخليد لآثاري

وما الخـــــــلود بميسور لعارية

الا الحبيبين اقلامي واشعاري