نجاد وحلم الدولة الفاطمية

خلال زيارته الأولى لمصر وجد نجاد نفسه امام مطبات كثيرة جعلته يتحول من بائع ومسوق للمشروع الفارسي، إلى مدافع عن شخصية النظام الإيراني التي باتت مكشوفة أكثر من ذي قبل. فجولة الرئيس الإيراني المخطط لها بطريقة محسوبة كانت تقتضي (بالإضافة الى فتح قنوات التعاون مع النظام) لاقتحام المركز الفكري المصري وتحويله الى مشروع كرتوني محايد بالحد الأدنى أمام محاولات تسريب للإيديولوجية العقائدية الإيرانية والتي اصبحت عبئا كبيرا على نجاد.

هذه الأيديولوجية التي وصل بسببها النظام الإيراني الحالي لسدة الحكم لا تحتمل البقاء بين جدران البيت الإيراني حسب أدبيات ومواصفات العقيدة المشغلة لأنظمة الفعل الفارسي والتي قامت على أداء فرض التوسع لتحقيق ركن "الثأر"، فالمسألة ستكون كارثية على هذه القيادة إذا استسلمت هذه القيادة الإيرانية لواقعها ولم تقم بالفتوحات الموعودة والتي دفع الشعب الإيراني فاتورتها المسبقة تحت ضغط تغول "الإمامة" على برامج التطور المدني المفترض في إيران والتي تحولت بحكم منهجية الحكم الى برامج تطور اقتحامية للمنطقة، حيث سخرت القيادة الإيرانية مقدرات الشعب الإيراني لخدمة المشروع الفارسي المستهدف للمنطقة برمتها.

جاءت زيارة نجاد لمصر ومحاولاته لتسويق ايران من هذا الباب ليحاول الظهور كمخلص للهم المصري ومن خلال اقتراح أو فرض التعاون الإستراتيجي المميز مع مصر بعدما أوجبت التطورات الإقليمية على المنطقة حاجة النظام الإيراني لتعويض الجبهة السورية المفقودة حتما منها. ترى إيران في مصر الحضارة والتاريخ ذات الخمس وثمانين مليون مسلما كنزا ثمينا (إن استطاعت امتلاكه) وجحيما مطلقا عليها إذا لم تستطيع اقتناص الفرصة التي لاحت لها باصطياد واستخدام القيادة المصرية (الإخوانية) في الحلف المأمول تسليمه لـ"الولي الفقيه" في طهران لفرض السطوة على المنطقة. فك الكماشة الطائفية الإيرانية يحتاج فكا ثانيا، فاطميا إذا جاز التعبير، يطبق على المنطقة من غربها.

وأمام يقين نجاد بأن جماعة الأخوان المسلمون لن تكون حجرة عثرة أمام عرض التحالف (ألاحتواء) بين إيران ومصر.. (فجماعة الأخوان المسلمين لم تكن يوما تجد حرجا في التعاون مع إيران أو مع غيرها بما يخدم مصالحها الضيقة).. حاول نجاد استيعاب المراكز الفكرية والشعبية الأخرى لكسر الحواجز النفسية مع مصر الدولة والشعب في محاولة منه لإطباق الجو الودي والمصالحي بين البلدين على الحالة العامة المصرية للدخول في تفاصيل التحالف المفترض مع القيادة التي انشغل رئيس جمهوريتها باستقبال الزعماء وانشغل رئيس وزرائها بتعليماته حول الرضاعة الطبيعية.

كان الأزهر الشريف احدى نقاط نجاد المستهدفة لتحييده والتقاط بعض الصور أمامه لعلم قيادة المشروع الفارسي بالمركز الرفيع الذي يحتله الأزهر في المجتمع العربي والإسلامي بشكل عام والمصري بشكل خاص، ومع أن نجاد كان يعلم بمدى الصلابة والثبات الذي تتمتع به مؤسسة الأزهر الشريف إلا ان ذلك لمن يمنعه من محاولة رسم حالة التعاون والاتفاق العام مع مشيخة الأزهر التي لم تقبل ان تخرج من ثوبها الشريف العلمي لتجامل من تحتفظ له بأكبر من عتاب وتعطيه التغطية التي يطلبها ولا يستحقها... مما جعلت نجاد يحاول الخروج من مؤسسة الأزهر الشريف بأقل الأضرار والفضائح.

ورغم أن الموقف الشعبي المصري كان أكثر صراحة معه وأكثر مباشرة له، فزيارته الى السيدة زينب وبكاءه على سياج القبور في مسجد الحسين لم تمنع الشعب المصري من "تطنيشه" ورؤيته بالحجم الحقيقي حيث رافقته الجموع الموجودة بالهتافات المستنكرة له في حين لم تتأخر الأحذية السورية عن إعلان اصحابها لرفض وجوده بطريقتها.. ورغم ذلك وخلال مقابلتين لوسائل إعلامية مصرية حاول نجاد رسم نفسه على مصر كأحد رؤساء الدول العظمى (النووية والفضائية والعلمية والمتقدمة حسب تصريحه لجريدة الأهرام) في محاولة أخيرة لتوجيه رسالة مبطنة للجميع تحمل الترغيب والتهديد معا بأن المشروع الأسود لفرض السطوة والتغول على المنطقة ما زال قائما.

أن تجاربنا ومعاناتنا مع النظام الإيراني في سوريا واليمن والعراق ولبنان والأحواز العربية والجزر الأماراتية المحتلة والبحرين التي ما زالت تؤكد على مدى الاصرار الايراني على اقتحام المنطقة من جميع زواياها.. تدعونا لفهم الفكر الفارسي المستهدف لعقيدتنا وعروبتنا.. ولتسمية الأمور بأسمائها الصحيحة ووضع مخاطر هذا المشروع في مكانه الصحيح في برامجنا.. لنعيد هذا "النمر الورقي" الى صوابه قبل أن يفقدنا صوابنا جميعا.