تونس: صدمة الاغتيال السياسي

هل كان اغتيال شكري بلعيد، الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد في تونس متوقعا؟ في ظل المناخ المتشنج الذي اشاعه وصول حركة النهضة الى الحكم، يبدو خيار تصفية الآخرين ممن لا ينتمون إلى فكر "النهضة" مفتوحا، بل ومتاحا. وإذا ما كانت حركة النهضة قد سارعت إلى اقالة الحكومة، متجهة إلى تشكيل حكومة من التكنوقراط، فان ذلك الإجراء في حد ذاته ينطوي على اعتراف خفي بالمسؤولية عما وصلت إليه البلاد من اختناق في مواجهة جدار أصم، مادته عدم قدرة الأطراف كلها على التفاهم لإخراج البلاد من أزمتها، خاصة وان حركة النهضة لا تثق بأحد من أطراف الثورة الأخرى، ممن لا يشاطرونها أفكارها.

اغتيال بلعيد ينقل تونس إلى مربع الدم.

البلاد التي لم تعرف في تاريخها المعاصر الأغتيال السياسي إلا في ما ندر، تبدو اليوم مدفوعة إليه. لقد اثمرت فكرة "النهضة" عن الآخرين، كونهم كفارا ومرتدين وشيوعيين ومنحرفين ومعادين للأسلمة وموالين للغرب الكافر ودعاة تحلل وفجور عن تجييش لا سابق له ضد أية حركة سياسية تدعو إلى قيام دولة على أسس مدنية. وما عجز الحكومة في الأوقات السابقة عن حلحلة نفسها في مقابل الانتقادات التي وجهت إليها بسبب سوء تصريف الأمور إلا دليل على موقف متعصب يوحي بتحجره، اتخذته تلك الحكومة عن دراية وإصرار ضد كل ما يمكن أن يطرحه الآخرون من حلول سياسية. لم يعد ممكنا الحديث عن سوء فهم، بل عن نسق ظلامي في التفكير، يضع الآخرين المختلفين في خانة الاعداء دائما.

ولن يكون ذلك النسق في التفكير مستغربا من حركة النهضة، كونها، مثل كل الجماعات الإسلاموية، تستند إلى فكر شمولي مطلق لا يرى في الاختلاف إلا نوعا من التجديف الذي يمكن أن يضر بالعقيدة. وهنا علينا أن ننتبه إلى أن المقصود بالعقيدة لن يكون المعنى السياسي، بل المعنى الديني الصرف. وهنا تكمن خطورة نقل الحوار من منطقة التفاوض على ممكنات سياسية نسبية إلى منطقة يغلب عليها اللجوء إلى العنف لتصفية الآخرين، حيث الرصاص والمسدسات الكاتمة.

لقد سبق لأعوان حركة النهضة أن نزلوا إلى الشارع معلنين عن رغبتهم في ارهاب الآخرين. بل أنهم لجأوا غير مرة إلى الاعتداء بالضرب على شخصيات سياسية معارضة، حطموا مقارا حزبية، أحرقوا معارض فنية، تأكيدا منهم على قدرتهم على بث الذعر في النفوس قبل الشوارع ولسان حالهم يقول "هذه تونس التي نريدها ولا مكان فيها لمن يرغب في تونس مدنية".

ألم يعلنوا عن غزو المدن؟

في مواجهة تلك التحركات التي يغلب عليها طابع الاجرام فان الحزب الحاكم، المنتخب ديمقراطيا، لم يحرك ساكنا. وزارة الداخلية، كما صرح نائب شكري بلعيد في الحزب، كانت تعلم بان حياة بلعيد مهددة ولم تتحرك لحمايته. إذا لم نقل أنها لم تكن معنية بحياة سياسي، عرف بنبذه للعنف ودعوته لخيار التغيير السلمي على أسس مدنية.

فإذا لم تكن حركة النهضة مسؤولة بشكل مباشر عن اغتيال السياسي التونسي فان اهدار دم السياسيين المختلفين معها وإن تم بطريقة غير معلنة يضع على عاتقها المسؤولية كاملة عما يجري. هذا من جهة ومن جهة أخرى فان امتناع اجهزة الحكومة الامنية عن القيام بواجباتها في حماية السياسيين إنما ينطوي على الكثير من علامات الاستفهام والريبة. فحكومة النهضة لم تكن ترى في ممارسة العنف ضد مناوئيها شيئا يخل بواجباتها.

ما شهده الشارع التونسي طوال سنتين، هما عمر المرحلة التي تلت الاطاحة بالنظام السابق، انما يؤكد ان الامور ماضية إلى تدهور، لابد أن يكون العنف أحدى ملامحه التي تضع البلاد في مواجهة مجهول، قد يكون الانتقال إلى الاغتيال السياسي الخطوة التي تنزلق بالجميع إلى الهاوية.