سوريا: معاذ الخطيب الذي لا ينطق عن هوى!

أما وقد أطلقَ الشيخُ معاذ الخطيب، رئيسُ الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، خيار التفاوض مع النظام، فإن حراكا سياسيا لافتاً قد بدأ. وما يلفتُ ليس مضمون الحراك، فذلك ما زال قيّد الطبخ لم ينضج بعد، بل شكله، من حيث انتقال الائتلاف، لا سيما رئيسه، للعب الدور الذي من أجله تشكّل: التفاوض!

خطابُ المعارضة، منذ المجلس الوطني وصولاً إلى الائتلاف، لم يتجاوز تقليديته المعروفة في رفض التفاوض والتسويات والحلول الوسطية، والمطالبة برحيل النظام بالرأس الكبير والرؤوس التابعة. في ذلك السلوك وجاهة ما يريده الثوار، لكنه يهمل حنكة الساسة والسياسة، ولا يهتم بثنائية الممكن والمُحال، ولا يعترفُ بموازين القوى، في الداخل، في الأقليم، وفي العالم.

يعترضُ بونٌ شاسع المساحة بين الحقّ الأخلاقي وأصول لعبة الأمم. حراكُ المعارضة الليبية لقيّ استجابة غربية سريعة وحاسمة. قبلها انسجم الغرب عسكريا مع طموحات المعارضة العراقية لنظام صدام، وطموحات الكويتيين ضد جيشه، والتقت جيوش الغرب مع المقاتلين الأفعان المعارضين لنظام طالبان (دون التطرق لتدخل الغرب في البوسنة والهرسك وغيرها)..الخ. بالمقابل فإن عاميّن من المواجهة الدموية في سوريا، لم يوفرا الأسباب الكافية لتحرك عسكري غربي يفرضُ وقفاً فوريا لمأساة الشعب السوري.

بالإمكان التفطن إلى خلوّ سوريا من يورانيوم يوجّه سياسة فرنسا في مالي، أو من نفط يستحقُ عناء السفر الأطلسي. وبالإمكان الإستنتاج بأن الوضع الكارثي في سوريا لا يهددُ الأمن الإقليمي (خاصة ضد إسرائيل)، وطبعا لا يهددُ الأمن الدولي (كما هو حال الصراع الكامن مع ايران). كما أن الوزن الجيوستراتيجي لسوريا لا يشكلُ انقلاباً في الموازين الدولية فيما لو رجحت الكفّة الروسية هناك. كما أن سوريا لا تُعتبرُ قيمة استراتيجية "فوق العادة" تجبرُ الغرب على تقديم اغراءات "فوق العادة" لموسكو. بالمختصر المفيد، وإذا ما استثنينا العاملين الانساني والاخلاقي، فلا شيء في سوريا يقلقُ الغرب، حتى الآن..

أمران وحيدان يهمّان الدوائر الغربية: تنظيم القاعدة وأمن إسرائيل. من أجل درء أخطار "القاعدة" جرى اعتماد تدبيرين. الأول نسف المجلس الوطني (نعته هيلاري كلينتون) وتوسيعه إلى ائتلاف مهمته استيعاب تيارات جديدة، وعزل جبهة النصرة المتهمة بأنها "القاعدة" في سوريا. والثاني تمويلي تسليحي أدى بسرعة قياسية الى تخفيف الموارد التمويلية والتسليحية للمعارضة بغية جرّ الداخل بعد الخارج على الإتساق مع المزاج الدولي لا التمرد عليه (من خلال تنامي القاعدة).

أما أمن إسرائيل فهو شأن إسرائيلي بإمتياز. تتوعد تل أبيب، بالتحرك لمنع تهديد الوباء السوري لأمنها. تقوم طائراتها بضرب أهداف داخل سوريا (مركز أبحاث بالنسبة لدمشق أو قافلة صواريخ بالنسبة لمصادر غربية). الرسالة وصلت: إسرائيل تراقب عن كثب ولن تسمح لنظام دمشق بإختراق ما هو محظور منذ 40 عاماً.

قبل الضربة الإسرائيلية أُعلن عن قيام جبهة النصرة بضرب مواقع أمامية للجيش السوري النظامي في منطقة سعسع، وهي منطقة تماس مع إسرائيل، بما اعتبرته تل أبيب مؤشراً خطيراً لجهة وصول العلّة السورية الى حدود ضرب الأدوات التي تسخرها دمشق منذ عقود للحفاظ على الستاتيكو على جبهة الجولان.

قبل الضربة الإسرائيلية أُعلن أيضاً عن انفجار مستودع للأسلحة تابع لحزب الله في منطقة مشغرة في لبنان. روّجت بعض الأوساط إحتمال وجود أسلحة كيماوية داخل المستودع، فتكثف التحليق الجوي الإسرائيلي فوق الجنوب اللبناني ومنطقة البقاع الغربي.

مجموعةُ مؤشراتٍ قد تدفع باتجاه تنشيط دينامية دولية ما تجاه سوريا. المراقبون استنتجوا في الأسابيع الأخيرة اقتراباً خبيثاً للدبلوماسية الغربية لصالح الرؤى الروسية في الشأن السوري. خطاب واشنطن رمادي متلعثم متردد غير مفهوم، فيما تراجعَ حزمُ فرنسا المشغولة بالحملة في مالي، في وقت أدى الفيتو الأميركي - الأوروبي على تسليح المعارضة إلى انسحاب ذلك على الموقف العربي (لاحظ انتقال تصريحات سعود الفيصل مثلاً من الدعوة الى تسليح المعارضة إلى إعتبار الانتقال السياسي حتميا!)

تعرّف العالم على خريطة الإدارة الأوبامية الجديدة. تجاوزت واشنطن فترة الوقت الضائع بين ولايتين. أنهت فرنسا بسهولة (نسبية على ما يبدو) المعضلة في مالي. انتهت الإنتخابات الإسرائيلية إلى ما انتهت إليه. أطلق الحراك المصري اشارات إلى الغرب بأن البناء الإخواني الذي شجعوا عليه لا يمكن أن يشكّل أساسا متيناً لسياسة غربية راهنة ومستقبلية في العالم العربي. هذا هو المشهد الحالي!

يوحي المبعوث العربي الدولي الأخضر الابراهيمي بيأس عدائي علني من نظام الأسد ورئيسه. الرجل خرج عن دبلوماسيته وتجاوز وظيفته كوسيط حين اتهم نظام دمشق بالطائفية. أكثر من ذلك، تسريبات العاصمة السورية كشفت عن أنه فاتح بشار الأسد باحتمالات رحيله. وفيما أن هذا السياق يفترض أن ينعي جهود الإبراهيمي ويدفع به منطقياً إلى الإستقالة، تتمسك واشنطن وموسكو، وحتى دمشق نفسها، بالإبراهيمي ومهمته!

اجماعٌ اذن حول مساعي الابراهيمي. أساس مساعيه وثيقة جنيف التسووية التفاوضية. العقدة في مصير ودور الأسد، أو ما يطلق عليه بالغموض البناء. حول لبّ العقدة يتحدث رئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيديف عن "أخطاء الأسد القاضية"، ليكمّل تصريحات روسية سابقة عن عدم الدفاع أو التمسك بالأسد (بوتين - لافروف). تراجع ميدفيديف عن تصريحاته في دافوس، فكان أن التقطت واشنطن الرسالة، فأرسلت نائب الرئيس جو بايدن إلى ميونيخ (للمشاركة في أعمال مؤتمر للأمن والسلام الدولي ) ليردد لازمةً أميركية للأسد: إرحل!

واشنطن تعتبر ان الأسد "لم يعد قادراً على القيادة"، فيما تكرر موسكو أن الإصرار على تنحية الأسد "هو أكبر سبب لإستمرار المأساة في سوريا". كيف يجري فقء الدملة إذن؟

لمعَ إسم الشيخ معاذ الخطيب بشكلٍ مفاجئ إبّان تشكيل الائتلاف الوطني. ففيما كانت تترددُ اسماء قيادية معروفة لتولي رئاسة الائتلاف، فاجأ وزير الدولة للشؤون الخارجية القطري خالد بن محمد العطية المؤتمرين بطرحه إسم الشيخ معاذ الخطيب للرئاسة. والمفاجأة الأكبر تمثلت في ترتيبات صامتة في الكواليس مارست ضغوطا عى كافة الفرقاء بحيث لم تتجرأ أسماء أخرى على الترشح والمنافسة، فجرى الإجماع على الرجل الذي خرج من قبعة الساحر القطري بمباركة أميركية اشرف عليها روبرت فورد سفير واشنطن لدى سوريا.

فرقاء المعارضة ابتلعوا الأمر طالما أن وعودا قد أُطلقت للتمويل والتسليح. لكن "الائتلاف" الذي دفن "المجلس" وإمتصّه داخل تركيبته، لم يحصل على التمويل والتسليح، بل بالعكس انهارات المساعدات، إلا من تلك الإنسانية التي وعد بها مؤتمر الكويت، فيما فشل الائتلاف في تشكيل حكومة إنتقالية موعودة. بقيّ للائتلاف أن يلعب دوره الأساسي: التفاوض!

يقدّم معاذ الخطيب، ونكاد نقول بشخصه (بعد تحفظات الائتلاف ورفض المجلس الوطني التفاض مع نظام الأسد)، الرافعة الجديدة للجميع وفق مقولته "النبيّ تفاوض مع الكفار". واشنطن ترسلُ ليجتمع به جو بايدن، نائب الرئيس وأرفع شخصية أميركية، تلتقي بها المعارضة منذ بدء الأزمة السورية. يمدُّ الخطيب يداً نحو روسيا، فتجمعه المناسبة (ميونيخ) لأول مرة مع وزير خارجيتها سيرغي لافروف الذي يدعوه الى موسكو (سبق للخطيب ان رفض دعوة مماثلة في ديسمبر الماضي).

وكأن العاصمتين يتحريات من خلال شيخ المعارضة شاطئا لسفنهما في تلك العاصفة. موسكو تريد التفاوض. واشنطن لا تمانع. وها هي المعارضة في الخارج، بعد ان تمّ اضعاف وانهاك المعارضة في الداخل، مستعدّة للتفاوض (أو هكذا أراد الخطيب أن يوحي). سقف الخطيب مفاوضات على رحيل الأسد ونظامه أو مفاوضات مع ممثلين للنظام دون الأسد وأركانه (رغم أن توجهه بنداء للأسد "لإيجاد حل" و"التساعد لمصلحة الشعب" قد يفيد ضمنياً بقبوله للأسد مفاوضاً!).

الإبراهيمي أبلغ مجلس الأمن أن النظام قادر على الصمود. موسكو وإيران تريان ذلك ايضا. الغرب لاحظ الأمر. المعارضة لا تملك حسم الأمر عسكريا، وهذا أمر معروف ويُعملُ يوميا على تثبيته من قبل الإقليم والعالم. لكن الأدهى، أن النظام الذي يحظى بالدعم التسليحي العلني الروسي والإيراني، غير قادر أيضاً على الحسم العسكري، والأهم أن روسيا وإيران تقران بذلك.

ضمن هذه المعادلة شيء مشترك يُجمع عليه كافة الفرقاء الإقليميين والدوليين، هو توازن القوى بين النظام والمعارضة (أمر سبق أن اعترف به نائب الرئيس السوري فاروق الشرع الذي يريده الخطيب مفاوضاً!). ومكان الخلاف بين هذه القوى هو موقع بشار الأسد داخل هذه المعادلة. والحلّ المنطقي للمعادلة، الإتفاق على أرضية ما هو مشترك، والتخلص مما هو موضع خلاف.

هكذا يلعب شيخُ الجامع الأموي السابق لعبة التفاوض، ويذهبُ بعيداً في ذلك. يلتقي ببايدن، ولافروف، لكن أيضا (وربما تأثراً بمفاجأة بايدن عن حوار أميركي - إيراني مباشر) يلتقي بوزير خارجية طهران علي أكبر صالحي (بموازاة زيارة يقوم بها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني سعيد جليلي الى دمشق)، الأمر يؤيده أمين عام الجامعة العربية وتشجعه قمة الدول الإسلامية في القاهرة، رغم امتعاض وتحفظ تركيا (وزير الخارجية داود اوغلو يجتهد: "الحوار بين النظام السوري والمعارضة لن يتيح إيجاد حلّ للنزاع في سوريا")، ومع العلم أنه خيار موسكو وطهران الدائم.

عاصفة رمال تلفُّ الدينامية الدبلوماسية الراهنة. لكن زوال العاصفة قد يكشف عن اتفاق مفاجئ وصاعق لصالح التسوية تجرّ إليه كافة الفرقاء، على مضض. لكنه قد يكشفُ أيضاً (بايدن تحدث عن "الخلافات الكبرى" مع موسكو)، عن انهيار دراماتيكي في خيارات التسوية، ويرفعُ مستوى الإنذار المحذّر من عواصف آتية قد لا تكون هذه المرة... رملية!