ضرورة إعادة النظر بمفهوم المصالحة وبالاتفاقات السابقة حولها

أولت تفاهمات المصالحة سواء في القاهرة أو الدوحة الأولوية لانتخابات تؤدي لتشكيل حكومة تمارس عملها في سياق سلطة حكم ذاتي ملتزم باتفاقيات أوسلو وبشروط الرباعية، واليوم وبعد كل ما جرى على الأرض والمتغيرات من حولنا سواء الاعتراف الدولي بفلسطين دولة وإنجاز المقاومة في غزة أو على مستوى استمرار الاستيطان الإسرائيلي ورفض إسرائيل لعملية التسوية وتجاوزها لاتفاق أوسلو وتوابعه، بعد كل ذلك لا يجوز أن نؤسس لمصالحة على قاعدة اتفاقية أوسلو أو مصالحة تُرجع الأمور إلى ما كانت عليه قبل يونيو 2007.

حتى على مستوى المصالحة بالصيغة المتفق عليها، هل ستسمح إسرائيل بأن تتوحد غزة المدججة بالسلاح والصواريخ والميليشيات من كل الأصناف مع الضفة حيث الاحتلال والاستيطان والمستوطنين والتنسيق الأمني، في حكومة وسلطة واحدة؟ هل ستجلس إسرائيل تتفرج علينا ونحن نجري الانتخابات ونشكل حكومة ونوحد الضفة وغزة ونقول لإسرائيل فلتذهب مخططاتها وخطة شارون لفصل غزة عن الضفة للجحيم؟ هل ستخضع إسرائيل للإرادة الفلسطينية بالوحدة وإنهاء الانقسام؟

لا نريد أن نقلل من قيمة الإرادة الفلسطينية ولا من جهود الأخوة في مصر لتحقيق المصالحة ولكن الرغبات والإرادة لوحدهما غير كافيان في حالة كحالة الانقسام، إنهما أساسيان وكافيان لمصالحة مدخلها انتفاضة أو ثورة على الاحتلال نولكن غير كافيين لمصالحة في إطار تسوية سياسية والتزامات دولية.

منذ عام تقريبا جرت أحداث أدت لتفكيك بعض العقبات أمام مصالحة إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل يونيو 2007، وأوجدت مستجدات لم تكن حاضرة عند توقيع تفاهمات المصالحة، مما يجعل المشهد السياسي الفلسطيني يعج بالمفارقات. فإن كان الربيع العربي الذي أنهى انقسام العالم العربي إلى معسكر ممانعة ومعسكر اعتدال وهو ما كان يغذي ويعزز الانقسام الفلسطيني، إلا أنه في المقابل عزز من مكانة حركة حماس في غزة. وإن كان توقيع حركة حماس لهدنة مع إسرائيل برعاية مصرية وفر أحد شروط الرباعية وهو وقف المقاومة أو الأعمال المسلحة ضد إسرائيل إلا أن الهدنة في المقابل زادت من حالة فصل غزة عن الضفة ومن دولنة القطاع. وإن كانت موافقة حركة حماس على خطوة الرئيس أبو مازن بالذهاب إلى الأمم المتحدة وقبلها موافقتها في اتفاقية المصالحة في القاهرة على هدف الدولة الفلسطينية في الضفة وغزة حققت شرطا آخر للرباعية وهو الاعتراف بالشرعية الدولية وبإسرائيل ولو بطريقة غير مباشرة، إلا أن هذه الخطوة جعلت حماس أكثر قبولا من طرف المنتظم الدولي وبالتالي زادت من تطلعها نحو قيادة النظام السياسي. وأخيرا فإن الانجازات التي تم تحقيقها من خلال مواجهة العدوان على غزة والتصويت لصالح فلسطين في الأمم المتحدة وفرت الشرط الشعبي الفلسطيني أو الداخلي للمصالحة من خلال استنهاض حالة شعبية غير مسبوقة وتفاعل الجماهير في الضفة وغزة، إلا أن هذه الحالة الشعبية ذات التوجه الوحدوي زادت من قلق ورعب إسرائيل وجعلتها من خلال تحكمها في الجغرافيا أكثر رفضا لمصالحة فلسطينية تعيد توحيد غزة والضفة تحت سلطة وحكومة واحدة.

جاء الاعتراف ألأممي بفلسطين دولة غير عضو ليزيد من تعقيد المشهد السياسي من جهة المصالحة، جاء هذا الاعتراف في خضم الجدل حول المصالحة وإعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير، وحيث أن تفاهمات المصالحة لم تتطرق للدولة الفلسطينية بل ركزت على المصالحة في مستوياتها الثلاثة:الحكومة والسلطة ومنظمة التحرير، فإنه يصبح مطلوبا الأخذ بعين الاعتبار الاستحقاقات المترتبة عن الاعتراف بفلسطين دولة ومحاولة المزاوجة بين العمل من أجل المصالحة بالتفاهمات السابقة والعمل من اجل تحويل قرار الدولة إلى ممارسة على الأرض، وهذا الأمر يحتاج إلى تفاهمات فلسطينية جديدة أو إبداع سياسي، بحيث لا يحدث تعارض بين ثلاثة حالات: الأولى متطلبات إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير كحركة تحرر وطني، والثانية مصالحة تعيد الفلسطينيين لسلطة حكم ذاتي ولاتفاقية أوسلو، والثالثة استحقاقات الدولة كنتاج للشرعية الدولة.

لا ندري إلى أي حد ستذهب القيادة الفلسطينية في المواجهة السياسية مع إسرائيل وواشنطن بحيث تبني على القرار ألأممي بالدولة ممارسات على الأرض بإلغاء حكومة سلطة أوسلو وتشكيل حكومة الدولة الفلسطينية وبداية ممارسة أشكال سيادية على الأرض.إن كان الفلسطينيون يريدون تفعيل القرار وإعطائه قيمة عملية فيجب أن ينتقل مركز الثقل والتوجيه في العمل السياسي الفلسطيني إلى الدولة من خلال ممارسات على الأرض تعكس وتعبر عن الحالة الجديدة، أو بمعنى آخر دولنة كل المؤسسات الفلسطينية.وفي هذه الحالة كلما خطت الدولة الفلسطينية خطوة للأمام كلما تراجعت مركزية منظمة التحرير والسلطة الوطنية في العمل السياسي، وربما تتحول المنظمة مع مرور الوقت لحزب داخل الدولة كما جرى مع جبهة التحرير الجزائرية بعد الاستقلال.

دون تقليل من قيمة التفاهمات السابقة حول المصالحة فإن واقعا جديدا قد استجد بعد الاعتراف بفلسطين دولة مراقب ويجب أن نأخذه بعين الاعتبار في عملية المصالحة حتى لا يتحول القرار إلى مجرد قرار يضاف إلى عشرات القرارات الدولية ذات الشأن بالقضية الفلسطينية، وما دامت حركة حماس كما هو الحال ببقية الأحزاب الفلسطينية وكذلك كل الدول العربية باركت الخطوة الفلسطينية بالذهاب للأمم المتحدة واعترفت بان الهدف الوطني الفلسطيني حاليا هو الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس مع حق عودة اللاجئين، فيجب أن تتكاتف الجهود حول هذا الهدف وان يكون هذا الهدف حاضرا في عملية المصالحة حتى وإن احتاج الأمر لإعادة النظر في بعض بنودها.

إن أي حديث عن انتخابات أو حكومة أو سلطة يجب أن يكون في إطار رؤية جديدة تسعى لتكريس مؤسسات الدولة الفلسطينية. الانتخابات يجب أن تكون لرئيس دولة فلسطين وليس رئيس سلطة حكم ذاتي، ولأعضاء برلمان فلسطيني وليس مجلس تشريعي لسلطة حكم ذاتي، كما أن إعادة توحيد الأجهزة الأمنية يجب أن يكون في إطار وظيفة جديدة لهذه الأجهزة كأجهزة أمنية للدولة الفلسطينية وليس أجهزة أمنية تنسق مع إسرائيل في إطار التزامات أوسلو.

د. إبراهيم أبراش

Ibrahemibrach1@gmail.com