الموبايل ينحّي ساعة اليد جانباً



زمن الساعات الجيبية

بين ارتداء ساعة اليد والاكتفاء بساعة الموبايل، أجيالٌ تتصارع بين روح الماضي ونمط المعاصرة، تلتقي أحياناً وتبتعد غالباً. وتبقى هذه الإشكالية على الرغم من بساطتها في الظاهر، تطرح نفسها يوماً بعد يوم مع الكثير من التساؤلات والاستغرابات، إلا أنها وكما غيرها من إشكاليات حاضرنا، لا تحتاج إلى حل إنما تبقى كما هي عليه لتحكي قصة مجتمع بين الأمس والغد.

قبل سنوات ليست بالطويلة في حساب الإنسانية، جاء الموبايل ليهدد كل ما له علاقة بالفكر الحي ويستبدله بالآخر الإلكتروني منه، فلم يكتفِ بأن جعل من وجوده محوراً أساسياً في حياة الإنسان، بل قضى له على ذاكرته التي كان يستخدمها لحفظ الأرقام والأسماء، فالموبايل اليوم يقوم بهذه المهمة وفي أسرع وقت وبشكل أكثر تنظيماً ودقةً. كما أنه وبفضل ساعته الرقمية في الدلالة على الوقت، استغنى البعض وهم يتزايدون شيئاً فشيئاً، عن ساعة اليد التي لطالما ارتبطت بحياة الإنسان في الماضي وكانت جزءاً لا يتجزأ من حياته ونجاحاته في العمل والدراسة خاصةً داخل قاعات الامتحان.

ونحن هنا لا ننكر لاختراع الموبايل فضله في تطوير المجتمعات البشرية وفي حله للعديد من المشكلات القائمة على التواصل الإنساني والعملي، بل نلفت النظر إلى أنّ هذا الاختراع أفقد الإنسان علاقته بأشيائه الحميمية مثل ساعة اليد والدفتر الصغير الذي كان معظمنا يحمله لحفظ الأرقام والمواعيد ولتدوين ما حصل معنا بالوقت والتاريخ المحددين.

والغريب بالموضوع أنّ ساعة اليد كانت ولا زالت من أكثر الهدايا قيمةً وانتشاراً بين طبقات المجتمع ذات السوية المادية الممتازة في كل العالم، مع أنّ أبناء هذه الطبقات يملكون أحدث وأغلى أنواع الموبايلات. والفكرة هنا لا تتعلق برغبتهم في المحافظة على عادات الماضي والوقوف بوجه التقدّم التكنولوجي. إلا أنّ اقتناء الساعات لديهم وارتدائها يحدد سويتهم الاجتماعية والمادية، حيث يقتنون منها أشهر الماركات العالمية وأغلاها ثمناً، بما يضمن تفوقهم الاجتماعي على غيرهم من الأصدقاء حتى من أبناء الطبقة المشابهة.

وكما أي شيءٍ آخر، يتبع ثمن ونوع ماركة ساعة اليد إلى الحجم الاجتماعي الاقتصادي الذي يتمتع به الشخص، وهي الآن مصدر للوجاهة ومعيار لتقييم الآخر وذوقه وحالته الفكرية. كما أنها وفي بعض الأوقات قد تحدد لك الأصدقاء ومدى قبولك في الوظيفة والعمل.

وبالنسبة للنساء فلا غنى عن الساعة غالباً، لانها من أهم عناصر الزينة والإكسسوار، فتراهن يملكن منها جميع الموديلات والألوان بما يتناسب مع الملابس لاكتمال الحالة المثالية من الأناقة.

الخطورة في الموضوع، أنّ الساعة أصبحت من الكماليات حتى بالنسبة للأطفال الذين يقتنون وبفضل الأهل أنواعاً متطورة من الموبايلات ويحملونها معهم حتى إلى مدارسهم. أي أنّ العادات القديمة بثقافاتها وتفاصيلها الصغيرة تأخذ بالاندثار في ظل زمن يقيّم من فيه بناءً على حسابات شكلية وإلكترونية.

هي إشكالية زمن بأكمله، بين الحداثة والماضي، ونستطيع أن نسقطها على كل تفاصيل الحياة الحالية بما في ذلك العلاقة بين الكتاب الورقي والكتاب الإلكتروني. فدون أن ندري تحتل الأشياء التكنولوجية أرواحنا وعاداتنا وتطرد ببساطة وسرعة متناقضتين أشياءنا التي كنا قد اعتدنا عليها.

وكتطوير ودمج للعلاقة بين الساعة والموبايل، اخترعت شركات عديدة موبايل على شكل ساعة يد، لسهولة الاستخدام والتكلم من خلاله، إلا أنه لم ينتشر بكثرة بين الناس.

لكن وعلى الرغم من سطوة الجوال على إنسان العصر الحالي بكل تطوراته وأنواعه، أصرّ البعض أن يبقى ملتزماً بارتدائه لساعة اليد كنوع من التحدي والوقوف بوجه الغزو التكنولوجي الهائل. وإن سُئل هؤلاء عن الساعة نراهم يرفعون أيديهم للنظر للساعة التي تقيد المعصم، مع أنهم يمسكون الموبايل باليد الأخرى. إنهم وكما قلنا اعتادوا على استطلاع الوقت عبر الأيدي ولا يرغبون بتغيير عاداتهم.