حصاد عقد من الشحن الطائفي والقومي في العراق

ما يحصل في عراق اليوم من احتجاجات شعبية واسعة واعتصامات مشروعة هي رد فعل شعبي طبيعي على حالة الانحطاط العامة والتي تسير بالبلاد من سيء الى اسوأ.

زحمة الازمات والمشادات والمناوشات والاتهامات السياسية والقضائية والاعلامية، الطائفية منها والقومية، بين عناصر الطبقة السياسية الحاكمة ذاتها، هو ثمرة متوقعة من ثمار العملية السياسية القائمة والتي بذر بذورها المحتل الاميركي، على الرغم من دخول تلك العملية عامها العاشر، وبرغم انسحاب القوات الاميركية المقاتلة من الارض العراقية، وبرغم مشاركة معظم احزاب وشخصيات العملية السياسية في الحكومات المتعاقبة على العراق منذ عام 2003 وحتى الان.

البرزاني من حصنه الشمالي يهدد بالانفصال، والمالكي من منطقته الخضراء يهدده بالحرب القومية، والهاشمي من منفاه في انقرة يتهم المالكي بالارهاب الطائفي وبالديكتاتورية، والمالكي يلوح له بتنفيذ حكم الاعدام، علاوي من اربيل يعتبر المالكي متفردا بالحكم وخارجا على الدستور، والمطلك من بغداد يعتبر اتهام أفراد حماية رافع العيساوي بالارهاب استهداف متعمد لرموز سياسية لمكون بعينه وهو يلمح لما جرى له شخصيا وايضا لما آلت اليه الامور مع نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي. صباح الساعدي يتهم المالكي بالتغطية على فشله وفساد حكمه بتلفيق الاتهامات لمعارضيه، وبهاء الاعرجي يعلن عن تلقيه تهديدات من المالكي نتيجة لكشفه فساد المحيطين به.

بلا شك ان العراق اليوم يعاني من نوبات صرع سياسي متتالية ومتواترة، اللاحق منها يحتوي مضاعفات ما سبق ان يداويها، انها ليست ازمة سلطة وحكم فقط وانما هي ازمة كيانية شاملة، ازمة دستور وازمة قوانين وازمة اقتصاد وازمة احزاب وازمة مرجعيات وازمة تخطيط وازمة خدمات وازمة سيادة وازمة استقلالية وازمة نزاهة وازمة نهج وازمة عدالة، وازمة في التفاعل مع التطورات المتسارعة في المحيط الاقليمي، وبالمختصر المفيد انها ازمة وطن بكل ماله وما عليه.

ربما يقول قائل بان نزعة التمهيد لانطلاق المنافسة الانتخابية التي ستجري في نيسان 2013 بالنسبة للمحافظات، ومطلع عام 2014 بالنسبة لمجلس النواب والتي سيترتب عليها تشكيل حكومة جديدة، هي المسبب المباشر لارتفاع وتيرة الشحن القومي والطائفي، وهي المسؤولة عن سياسة التسقيط الجارية بين شركاء الحكم، وهي المحرك الفعلي لانفلات عقال التهم الجاهزة بين الشركاء الخصوم نظرا لطموح الجميع بالحصول على المزيد من الحصص اوكحد ادنى الحفاظ على ما في جعبتها منها. ولكن عمليات الشحن الطائفي والعرقي جارية في كل مواسم الحكم العراقي الحالي قبل وبعد المواسم الانتخابية، وهي بمثابة الابجدية للنظام القائم. صحيح هناك ضجيج اعلامي اكبر قبيل كل انتخابات، ولكن ما يجري هو اكبر من كونه منافسة انتخابية حادة، انه مدخل للتحول من التطبيع المحلي لواقع الانقسام الطائفي والقومي الى التطبيع الدولي، اي الى التقسيم المعلن مرورا بتوفر المبررات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية لهذا التقسيم، ويكفي للتدليل على هذا المنحى، ذكر ما رفع من شعارات في مظاهرات الانبار المحتجة على اعتقال أفراد حماية رافع العيساوي والتي تدعو لاقامة جمهورية العراق الغربية، وايضا الاعلام التي رفعت فيها فبعضها يرمز لولادة جيش العراق الحر واخرى لاقليم كردستان واخرى لعلم ما قبل الاحتلال.

الاميركان من جهتهم يحذرون من التجاوز على الحقوق المكتسبة للمكونات العراقية وتحديدا الاكراد والسنة على اعتبار ان الشيعة هم من يقود دفة الحكم، وهذا ما صرح به السفير الاميركي في العراق ستيفن بيكروفت اثناء لقائه الاخير بالبرزاني. اما ايران فهي تحاول من جهة إبراز العراق كحليف لها في المنطقة، وذلك بدعم توجهات المالكي الداعية لتوازن تاثير العلاقة بينهم وبين الاميركان وما يعنيه هذا النهج من تجيير دعم الجانب الايراني له وتحييد الدعم الاميركي المتوقع لغيره، وبالتالي استحلاب هذه الحالة الشاذة لمصلحة استمراره على قمة هرم السلطة، فنجد ايران ضامنة للمالكي تأييد اغلب القوى الشيعية ومحيدة لمواقف حزب الطالباني تجاهه. اما البرزاني والسنة فانهم الاقرب من الموقف الاميركي والاقليمي الداعي للجم ايران واسقاط حليفها النظام السوري، وعلى هذا النحو تفسر التقاربات بين رموز عربية سنية واخرى كردية تابعة لحزب البرزاني.

هناك مفارقات مدغمة في طبيعة المشهد السياسي العراقي القائم، منها اننا نجد غالبية شخوصه تصمت ازاء التجاوزات التي تحصل على الدستور عندما لا تمس منافعها ولكنها تظهر حرصا ودقة متناهية في التفسير والتأويل عندما يمس هذا التجاوز تلك المنافع، ويتنطع البعض منهم في نعت الواقعة باشد العبارات قساوة لكون القرار قد حرمه صلاحية ما او منصب ما، فالعيساوي يتهم المالكي بقيادة ميليشيات طائفية، فقط عندما داهمته تلك الميليشيات، لكنه كان متقبلا لوجودها قبل المداهمة.

ان واقع الحال يشير الى كون جميع شركاء الحكم في العراق يتصفون باعلى درجات البرغماتية الفئوية والشخصية، فالمالكي يعلن عن امتلاكه لملفات تجرم العديد منهم لكنه لا يستخدمها الا بالاوقات التي تناسبه هو، والصدريون يصفون حكم المالكي بالفردي والفاسد لكنهم يشتركون معه في حكومته، والمطلك اتهم المالكي بابشع الصفات عندما استبعده عن منصبه لكنه تناساها عندما استعاد منصبه وهكذا الحال بالنسبة للبرزاني، فهو عندما يريد تحقيق المزيد من المكاسب يشدد من خطابه ويحرض القريب والبعيد على حكومة بغداد وعندما ينال ما يريده او شيء مما يريده يصمت وكأن شيئا لم يكن.

معاينة الخلفية التاريخية للمشهد الحالي تساعد على استيعاب مجرياته، فمنذ ان تبنى الكونغرس الاميركي لقانون تحرير العراق عام 1998 انخرطت معظم اطراف المعارضة العراقية التقليدية بمؤامرة الحرب الاحتلالية على العراق، حيث تحولت الى سلعة في سوق الصراعات السياسية الدولية بعد ان تآكل حسها الوطني نتيجة لفساد عدتها وتهافت قياداتها التي ادمنت على المغذيات والولاءات الخارجية.

تقليديا كانت اغلب القوى السياسية العراقية المعارضة لنظام صدام حسين تؤطر نفسها على اساس الصبغة العامة لبرامجها السياسية والايديولوجية، فكانت لجان التنسيق التي تجمعها مشكلة من ممثلي القوى الاسلامية والقومية واليسارية والليبرالية، وكانت حينها تجمع بين الشيوعي والاسلامي، والبعثي جناح سوريا، والكردي المؤمن بالديمقراطية للعراق والحكم الذاتي للمناطق ذات الاكثرية الكردية، وبين الليبرالي الوطني الذي يريدها راسمالية وطنية محمية بنظام دستوري ودولة مؤسسات تضمن الانتقال السلمي للسلطة، انقلب الامر بعد ان وضعت الحرب الباردة اوزارها وبعد ان خرج الاميركان واتباعهم منها متوجين بنصر التفرد، حينها اخذت مسارات المهزوزين في كل مكان من عالم الصراعات تنحدر سريعا الى مثواها الاخير، الى حيث الافلاس والتسليم بالتبعية، ومن هؤلاء قوى المعارضة العراقية التي ركبت قطار الاحتلال الاميركي السائر باندفاعة متغطرسة نحو بغداد، لم تعد لجان التنسيق تدار لغرض تنظم الفعاليات الوطنية المشتركة المتطلعة الى استجابات محتملة من القوى الحية داخل العراق، عسكرية كانت او مدنية، وانما تدار لغرض تسهيل مهمة الغزو الاميركي من النواحي السياسية والاعلامية والنفسية والاستخبارية، واصبحت وكالة المخابرات الاميركية هي المدير الفعلي لتلك اللجان، وهذا ما حصل فعليا وبتصاعد ملفت في مؤتمرات تلك المعارضة قبل الحرب الاحتلالية، من مؤتمر بيروت وجنيف وصلاح الدين الى مؤتمر لندن عام 2002 الذي شكلت توجهاته تحريضا وتواطئا صريحا لاحتلال العراق عام 2003، ففي هذا المؤتمر تحديدا صار التصنيف المكوناتي، الطائفي والقومي، هو سيد المشهد، الذي ترجم لاحقا بتشكيل بريمر لمجلس الحكم من ممثلين عن الشيعة والسنة والاكراد، والذي توافق مع مشروع جون بايدن لاقامة ثلاث فدراليات شبه مستقلة للكرد والسنة والشيعة.

جمال محمد تقي