دفاعا عن مصر: كتاب ومثقفون في مواجهة النظام الإخواني! (2)

لم ينته الأمر بعد

في الجزء الأول من تحقيقنا المتصل حول استيلاء جماعات الإسلام السياسي على السلطة ومفاصل الدولة على اختلاف أجهزتها ومؤسساتها، وماذا بقي من دور يمكن أن يلعبه المثقفون لإنقاذ مصر من بين أيديهم أم أن الأمر انتهي؟ أكد كتاب ومثقفون مصريون أن دور المثقف الآن يتطلب حضورا تنويريا توعويا قويا في الشارع المصري على امتداده سواء في القرى والنجوع والأحياء الفقيرة أو المدن الكبرى، ومواصلة الكتاب وفضح الممارسات الفاشية لجماعات وتيارات الإسلام السياسي، وما يرتكب على يديها من جرائم باسم الدين، واقترح بعضهم تنظيم حفلات وتوزيع منشورات وحضور إعلامي مكثف، تؤكد خلاله على الرفض للنظام الإخواني وأنصاره والكشف عما يرتكبه من جرائم تنال من تاريخ مصر وحضارتها ومن مستقبل الشعب المصري ومستقبل مصر، وفي هذا الجزء تتواصل ردودهم.

التمكين الثقافي ليس سهلا

بداية يرى الشاعر والروائي صبحي موسى أن هناك فارقا بين التمكين السياسي والإداري وبين التمكين الثقافي، ويقول: "الإخوان يسعون للتمكن إدارياً من كل مفاصل الدولة سعياً للتمكن الثقافي سواء في المؤسسات أو الشارع المصري، لكن كما يقولون المؤسسات لا دين لها، وإلى زمن طويل كانت بلا هوية سياسية، ويمكن أفضل ما صنعه مبارك ورجاله أنهم كانوا بلا أيديولوجيا، وهو ما مكن المؤسسات المصرية أن تكون بعيدة عن الأيديولوجيا، وهو ما يستلتزم عشرات السنوات لتحققه في مؤسسات بكل هذا القدم والعتاقة، بل على العكس فإن وجود التيارات الدينية في المؤسسات المصرية منذ زمن مبارك وجود كبير، لكنه كان من باب التمظهر بالدين تحايلاً على العمل، وربما تطهيراً ظاهرياً للفساد الذي ضرب كل شيء، ومن ثم نشأت لدينا ثقافة تعاني من الانفصام، ثقافة القول بالشيء والعمل بنقيضه، الظهور على نحو مخالف لما يبطنه، وهي قشرة هشة سرعان ما ستنكسر بوصول صحاب هذا التيار إلى السلطة، لأن الشارع المصري دائماً يتدين بدين مخالف لدين السلطة، ومن ثم فليس من طبيعته التحول بقدر ما هو التحايل، ومن ثم فليس مزعجاً أن نرى ظواهر التدين تسود بقدر ما سنرى ظواهر الانحلال هي التي ستسود، وسنرى ظواهر الرفض والتحدي تسود، وسوف تتجلى في السينما والموسيقى وشتى أنواع الآداب والفنون، سنجد استدعاء التاريخ على أشده، ليس تبجيلاً له ولكن إعادة النظر فيه".

ازدهار الثقافة بفعل التمرد

ويؤكد صبحي موسى أن الثقافة والمثقفين ستشهد أعلى ازدهار لها في سنوات الحجب الآتية، ففعل التمرد لسنوات طويلة كان منتهياً من حياتنا، وكثير من المثقفين رضخوا لنعمة الدولة وعطاياها، والآن سوف ينتهي كل هذا، ستحدث قطيعة، وما هو متاح لن يكفي، بل لن يوجد غير العداء الظاهر والباطن، وهذا العداء سيجعل القوي هو الخاسر، فالناس لا تؤمن بالأقوياء، ولا تحب أبناء السلطة، وهذا ما عزل الثقافة لسنوات طويلة عن الناس، لكن الناس أيضاً تبحث عن الأبطال الشعبيين، تبحث عن الرافضين لكلمة السلطان، فهل يستطيع مثقفونا أن يقدموا نماذج الشهادة، هل يستطيعون دفع ضريبة الرفض، أعتقد أننا لدينا الشباب القادر على هذا، لكن شيوخنا، نخبنا، كغيرها من النخب أفسدتها حياة الرقة في زمن مبارك، أفسدها الخوف والتمتع بالنعم دون عمل، النخب فاسدة ولا يعول عليها، لكن الحياة كالنهر لا تتوقف، وتحمل دائماً كل ما هو جديد في باطنها، تحمل الحياة وليس الموت، وأنا أعول عليها أكثر مما أعول على الشباب أنفسهم، ولا يمكن لسمكة مهما كبر حجمها أن تبلع النهر بداخلها، ولو حدث فإنها ستكون قد قضت على نفسها قبل أن تقضي على الآخرين.

احمد عبدالخالق

صبرا جميلا

ويقول الشاعر والكاتب ناجي شعيب "فكرة الاستيلاء وفكرة الأخونة ليست موجودة إلا في أذهانهم هم يظنون أن هذا الشعب مغيب ويقدرون على السيطرة عليه، إنهم ليسوا أقوى من مبارك ولا أجهزته بل أنهم يدقون المسامير الأخيرة في نعوشهم، فصبرا جميلا يا صديقي، فالمثقفون مثلهم مثل بقية هذا الشعب منهم الصالح ومنهم الطالح منهم من ارتمى في حضن السلطة قديما ويرتمي الآن في حجر السلطة الجديدة ومنهم من لا يباع ولا يشترى، وعلى الشرفاء من المثقفين توعية المصريين بما يحدث وما قد يحدث من هذه العنصرية الدينية التي لا تخفى على احد يجب النزول إلى الشارع والى الناس وعدم التعالي الطبقي من جملة المثقفين وعدم التعامل والمقاطعة والتشهير بكل من يتعامل معهم، واستغلال كل ما هو متاح من نوافذ ثقافية وأدبية لفضح مخططاتهم للاستيلاء والأخونة وتكملة هذا المخطط الوضيع، والذي يتم على يد الأخوان لم ينته الأمر بعد، وأرجو أن لا نجلس مثل الولايا نحن لا نملك غير سلاح الكلمة لنستعمله جيدا وبجد لفضح كل ما نتعرض له من محاولات استيلاء، وأخونة فمن لقي منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وهذا اضعف الأيمان".

فشل خطط الأخونة

وينفي الكاتب والصحفي أحمد عبدالخالق أن تتمكن جماعة الإخوان المسلمين والمتحالفين معهم من الجماعات الأخرى من الدولة المصرية مفاصلها وأجهزتها الأمنية بعد أن أصبح رئيس الدولة ورئيس الحكومة وعدد كبير من الوزراء والمحافظين من قلب هذا التيار، ويقول "الحقيقة أن ما ظهر للبعض أنه سيطرة كاملة أراه مجرد قشور حتى الآن، حيث تحرص هذه الجماعة على تولي رأس كل موقع، وفي الغالب ينظر له من حوله من المرؤوسين على أنه أمر غريب، وذلك بسبب فقر في الإدارة، وخلط بين السلطة والسيطرة وبين مقومات الدولة المصرية العميقة الضاربة في الجذور".

غادة عبدالمنعم

ويؤكد عبد الخالق أن هذه السيطرة لن تتحقق أبدا قبل أقل من 7- 10 سنوات على أقل تقدير إن لم يستيقظ غالبية الشعب التي ترفض التطرف وتمقت التشدد وتعتبر الوسطية في كل شيء كأسلوب حياة سواء للمسلمين أو الأقباط، وهي نفس الفترة التي أخذها الرئيسان عبدالناصر والسادات في تحويل فكر الغالبية من الملكية إلى الناصرية، ثم من الناصرية إلى الساداتية، و"أتوقع أن تفشل خطة الأخونة لأجهزة الدولة فشلا ذريعا، وإن أقصى مدة سيبقي فيها الإسلام السياسي بمظاهره المتخبطة التي ظهرت منذ انتخاب الرئيس محمد مرسي رئيسا للجمهورية حتى نهاية فترته الرئاسية الأولى على أكثر تقدير، وأن هناك دورا لا يزال يمكن القيام به لدى كافة المثقفين والداعين إلى الدولة المدنية لإيقاظ الأغلبية الصامتة التي ترفض سلوكيات وتخبط كوادر الإسلام السياسي التي تطفو على السطح وتربك الحياة للمواطن والوطن لقلة خبرتها السياسية والعلمية وتركيزها على التربية والتحول الفكري نحو التشدد بدلا من التركيز على التنمية كما سار النموذج التركي منذ اللحظة الأولى لتوليه السلطة".

ويرى عبد الخالق أن الربع لن يستطيع فرض قواعد اللعبة السياسية على الكل، والربع هنا هو نسبة الـ 25% هو قوة التيار الإسلامي الحقيقية عل الأرض باعترافهم هم، وبنتائج الصندوق الانتخابي في كل مراحل الانتخابات ومهمة المثقف هو إظهار أخطاء من يسعون للهيمنة رغم أقليتهم في الشارع والتي لا تتعدى 25% بأي حال من الأحوال وإقناع الغالبية الصامتة بأهمية مشاركتها في أي عملية انتخابية قادمة.

فاطمة البودي
لن نقف مكتوفي الأيدي

وتتصور الكاتبة والباحثة غادة عبدالمنعم أنه ليس أمام المثقفين إلا الاستمرار في المقاومة، "توقف المثقفين عن المقاومة يعني هزيمة المدنية والحضارة في مصر، وهذا لا يمكن أن يرضى به أو يتعايش معه مثقفو مصر، مصر التي يتسم شعبها بأعلى مستوى ذكاء في العالم كما تقول بذلك علانية الإحصائيات العالمية وتقارير المخابرات السرية الغربية، عليها مسئولية ليس فقط بالنهوض بنفسها وإقليمها، وتحقيق قدر أكبر من التحضر لشعبها وشعوب المنطقة ولكن عليها مسئولية عالمية للنهوض بمستوى التحضر والحضارة البشرية في العالم كله، لقد عانينا من ستين عاما من الحكم المستبد على يد العسكر احتجزت فيه قدرات ومواهب المواطنين بحواجز الجهل والاستبدال، وتبعا لمؤامرة مخابراتية غربية همها الإبقاء على غيرها من الشعوب متخلفة عن ركب التحضر، وهي مؤامرة يعاني الغرب كما نعاني من آثارها حتى الآن، فمجمل العلوم الحالية يحتاج للكثير من التحسين والتفحص والمراجعة، وقد كان حرمان الشعوب الفقيرة من القيام بدورها الواجب في صيانة وتجديد الحضارة وبالا على الجميع، وتعطيلا لركب الحضارة العالمية في مصر لا يمكن لنا نحن معشر المثقفين أن نقف بلا حراك ونحن نرى حكومة غبية وعميلة تدمر الأمل بتحررنا مما جثم على صدورنا وأنفاسنا لستين عام من الاستبداد سبقها احتلال وحكم ملكي غير رشيد ومستهتر، لا يمكن أن يرضى مثقفو مصر وهم صفوة الأذكياء في العالم والحضارة الحالية أن يدفن أمام أعينهم الأمل الذي لا يزال وليدا بدلا من أن يكبر ويمتد، علينا واجب سنحيا لنقوم به ونموت ونحن نؤديه، لن نسهم في إهدار فرص مصر والدول الفقيرة في النهوض، وعلى شعوب العالم أن تدعمنا، عليهم أن يدعموا كل الشعوب الفقيرة لتخرج من سجن الاستبداد وتنال حريتها وفرصها في التقدم، لأن تقدم الشعوب الفقيرة وهي غالبية شعوب العالم يعني انفتاحا لا مثيل له في تقدم العالم أجمع، يعني أفقا رائعا للحضارة البشرية، أنا متأكدة أن كل مثقفي مصر لا يمكن أن يستكينوا وأنهم لا يستكثرون على مصر وشمس الحضارة أن يموتوا وهم يكافحون من أجل الحرية".

• التنوير

وتعلن الناشرة د. فاطمة البودي تحديها لكل وسائل القمع والوصاية، وتقول "بالرغم من هذا الواقع المؤلم إلا أنه يجب على كل مثقف وكل كاتب أن يتمسك بمعتقده وينشر الأفكار التنويرية في المقابلات التلفزيونية والمقالات واللقاءات الميدانية ويلتحم بالناس البسطاء والفقراء ويعمل علي توعيتهم بحقوقهم في حياة إنسانية حرة وكريمة، وعني كدار نشر لن أتنازل عن نشر كل ما يفضح هذه الجماعة المغتصبة لمصر.

اسامة حبشي

أبواب التجربة الجزائرية

ويؤكد الروائي أسامة حبشي أن الكون يتحرك وفق قواعد تنظمه وأن الإنسان يموت لكنه يُبعث حيا ليقدم حسابا عن حياته، ويقول: "حينما تأتي – الآن – جماعة ما - مهما كانت ديانتها – وترفض الخصوصية الثقافية - الدينية، لأقلية دينية، موجودة على ارض الوطن تحت دعاوي سياسية.. وتعلن من لا يعجبه الحال فليهاجر! وتكتب دستورا متحيزا ضد الجماعات المهمشة مثل النساء والأطفال والأقليات الدينية.. فإننا نجد أنفسنا أمام "ظواهر خطرة" مثل ظاهرة التوسونامي، ومصر بطبيعتها الفرعونية عرفت التعددية، ولكن الحال الآن يسير في الطريق الخطأ، مصر على أبواب إعادة تجربة الجزائر لا محالة الوضع الحالي – يقدم مادة درامية للكتابة! نادرة خاصة لشخص مثلي أعيش أنا أيضا على "حافة هاويات" متعددة ثقافية ودينية".

الحركة في الشارع

الكاتب أحمد سعيد مدير دار الربيع العربي للنشر يشير إلى أن ما بقي للمثقفين هو أن يناضلوا من أجل نشر التنوير، وهذا لا يتطلب منهم سوى ترك المقاهي التي توفر خدمات الإنترنت اللاسلكي wi fi التي يستمتعون فيها إلى جانب الشيشة بالدخول على الفيس بوك وتويتر للتعبير عن حنقهم وغضبهم من النظام، ليقوموا بدورهم الحقيقي في الشوارع والقرى والنجوع والأقاليم المختلفة بتوعية الجماهير، طبعًا سيتطلب ذلك منهم أن يُعِدّوا مشروعًا لهم يمثل أفكارهم وما يريدون تحقيقه ويطرحون فيه حلولهم لمشكلات الوطن، يمثل أفكارهم وما يريدون تحقيقه ويطرحون فيه حلولهم لمشكلات الوطن".

احمد سعيد