العراق... تظاهرات المالكي تعلنه مختار العصر!



تظاهرات السلطة

أثارت التظاهرات التي انطلقت في ساحة التحرير في بغداد، وبعض المحافظات الوسطى والجنوبية مؤخراً، عدت تساؤلات وفي مقدمتها ما هي شرعية التظاهر من أجل ومِن قِبل السلطة نفسها، فهي تتظاهر على مَن، وهل ينسجم ذلك مع مفهوم الديمقراطية؟ فمِن المعلوم أن المواطنين يتظاهرون بالتعبير عن مطالبهم المعاشية والحياتية العامة، بينما تظاهرات السلطة فيها نوع من التهديد لمن يتظاهر ضدها، ناهيك عن أن شهود عيان تحدثوا عن مشاركة القوات الأمنية بملابس مدنية، وتقديم الخدمات للمتظاهرين، وكأنهم يسيرون في مواكب الزيارات الدينية.

بطبيعة الحال، أن أية حكومة قادرة على حشد الملايين، وهذا ما كان في ظل الحزب الحاكم السابق، ويمكن لأفراد الشرطة والأمن أن يقوموا بالمهمة، إذا أضيف لها عشائر الاسناد التي أشرف على مؤتمراتها مكتب رئيس الوزراء نوري المالكي، ربما ليس هذا هو المهم والأخطر، بل إن إعطاء تظاهرات السلطة النزعة الطائفية الصارخة يؤكد أن رئاسة الوزراء لم تكن في يوم من الأيام للعراق ككل إنما لطائفة واحدة، وبهذا المعنى ينتهي مفهوم المواطنة، وينتهي خضوع الطوائف الأخرى لمثل تلك الحكومة لأنها أعلنت وكشفت عن نفسها بأنها زعامة طائفة لا وطن.

فشعار مثل "المالكي مختار العصر" يعني أنه المكلف من قبل آل البيت بأخذ الثأر لهم، مثلما يرد في الروايات التاريخية، وبغض النظر عن شخصية المختار وما كان يستغل به ثأر الإمام الحسين لأجل السلطة أيضاً، مثلما تؤكد الروايات نفسها، فأنه يبقى في الذاكرة الشعبية شخصية ثأرية، فكيف يُطلق مثل ها الاسم أو الوصف على رئيس وزراء العراق، الذي من المفروض أنه لا يُقدم نفسه زعيماً للطائفة أو شخصية تاريخية مختلف عليها مثل شخصية المختار بن عبيد الله الثقفي.

فتقديم المالكي على أنه مختار العصر بمعنى ظهر يطلب ثأراً، وبما أن التظاهرات التي تُقدم المالكي على أنه المنقذ الشيعي جاءت رداً على تظاهرات المحافظات الغربية والشمالية، وهي جلَّ أهلها على المذهب السُّني، فيعني ذلك أن الثأر مطلوب من أولئك المتظاهرين لا غيرهم.

كانت تلك اللافتة المثيرة قد رُفعت في ساحة التحرير وسط بغداد، مع علمنا أن بغداد نفسها هي مدينة مختلطة، ليس من الحكمة زعزعة أمنها، المتزعزع بالأصل، أو زيادة اضطرابها لأجل الأشخاص وتسويف الديمقراطية المفترضة أنها نهج العراق الجديد.

التظاهرات التي خرجت من عباءة السلطة لا تمثل الشيعة، على الإطلاق، بل تمثل المالكي وحزبه، وبهذا يُعرض المالكي الطائفة الشيعية ككل إلى مخاطر المواجهات، الداخلية والخارجية، ناهيك عن تعريض العراق إلى أزمة طائفية جديدة. بل العودة إلى الاحتراب الطائفي الذي عانت منه بغداد والمدن العراقية الأخرى في عامي 2005 و2006.

يعتقد المالكي ومستشاروه أن النزول إلى الشارع بالبسطاء من الناس يضمن البقاء في منصبه، ويبعده عن الحلول الناجعة لمشكلات العراق والتي ربما تركه رئاسة الوزراء أحدها، فشعارات التظاهرات المؤيدة له لم تعكس معاناة المتظاهرين أنفسهم، وهي نسخة طبق الأصل من التظاهرات الحزبية المؤيدة السابقة. فلا نجده قد تجاوز الدكتاتورية وأساليبها إنما وجدها هي الأسهل والأسرع لبسط الهيمنة.

كذلك لم يحسب المالكي، وهو رئيس وزراء العراق، الأضرار المادية من تظاهراته، كقطع الطرقات وترك العمل في الدوائر وما يتعرض له المرضى من صعوبة الوصول إلى المستشفيات، هذا علاوة على تسييس الشارع وتجهيزه للمواجهة الطائفية، وزجه في الصراعات التي بين الكُتل السياسية.

تظاهرات مضادة للسلطة

فالتظاهرات التي قمعتها عشائر الإسناد والقوات الأمنية في العام قبل الماضي، لأنها طالبت بالحد من الفاسد والكشف عن عناصره وأن تتحمل الحكومة مسؤوليتها في حفظ حياة المواطنين، ما زالت ماثلة أمام المواطنين، واغتيل بأثرها هادي المهدي واقتيد آخرون إلى دوائر الأمن ومورس ضدهم التعذيب والتهديد، بينما الآن وفي المكان نفسه تُحشد القوات الأمنية والعشائر المؤيدة لتظاهرات "تعط" منها رائحة الطائفية.

ومع ذلك بدت التظاهرات التي حشدتها السلطة هزيلة في غايتها وفي عددها، فلو دققنا في العدد فهو لا يتجاوز المئات، مع دعم السلطة والخدمات التي تقدمها لها، ويتضح هذا من موقف السواد الأعظم من الناس، أو الأغلبية الصامتة التي ما تزال تنظر بعين الرقيب، وكذلك مِن موقف المرجعية الدينية الشيعية، التي أوعزت إلى وكلائها في محافظات الجنوب والوسط أنها ليست مع تلك التظاهرات، بسبب أنها لم تكن مطلبية إنما هي تظاهرات تأييد لمن عجز عن تقديم الخدمات.

لكن أغرب ما فيها هو أن يُقدم المالكي رافعاً سيف المختار لأخذ الثأر، ولا تفهم مثل هكذا لا فتة سوى أنها تريد الثأر من الجهة المقابلة، وإلا المختار قد قَتل وقُتل وأُخذ الثأر، فما معنى إثارة تراب التاريخ بحافر سوء، ومَن بين هؤلاء المتظاهرين قتل الحسين ويُراد أخذ الثَّأر منه! هم أو أجدادهم، فأهل العراق كانوا علويين كافة، وأن الإمام الذي يتعبد أهل الأنبار والموصل قتلته السلطة بسبب أنه من أتباع أهل البيت، الذي يريد المالكي أخذ السلطة من أتباعه بسيف المختار، إنها الإمام أبا حنيفة النعمان.