النظرة الغربية في العلاقة بين الإسلام والديمقراطية

الديمقراطية لا تنزل فجأة ولا تولد مع الناس

على الرغم من أن الفقهاء وعلماء الدين المسلمين قد ناقشوا النظام السياسي في الإسلام؛ إلا أنهم اختلفوا فيه، هذا الاختلاف جاء نتيجة لحقيقة أن الإسلام لم يحدد نظاماً سياسياً معيناً للمسلمين، وإن حدد القرآن الكريم الضوابط الاجتماعية والقيمية والسياسية للدولة فيه، وهي ضوابط قد اختلف الفقهاء كذلك في تفسيرها، وبالتالي اختلفوا في تفاصيل طبيعة النظام الإسلامي الذي ينشدونه وفي الضوابط الحاكمة له. وهو اختلاف قد انعكس على كل نقاشاتهم من مسألة طبيعة نظام الحكم المنشود و الآليات الحاكمة له و بين إدخال بعد ديني خالص فيه، وبالتالي إضفاء القدسية على نظام الحكم، وعلى الممسكين به، مقابل الآخر الذي وجد فيه أمراً دنيوياً يختلف باختلاف الأزمان و الأمصار، وهو - نتيجة لذلك- يقرره الناس و يحتكمون فيه إلى آلياتهم المعاصرة.

لذا فقد شكلت قضية العلاقة بين الإسلام والديمقراطية، محوراً مهماً من محاور الكتابات الغربية عن الإسلام، كما تلقت في الفترة الأخيرة اهتماماً من قبل بعض الباحثين العرب والمسلمين. وكان التساؤل الذي تطرحه الكتابات الغربية دائماً هو: هل الإسلام يلتقي مع الديمقراطية بوصفه نظاماً للحكم؟

وقد دفع افتقار المنطقة العربية والإسلامية إلى نظام ديمقراطي في الحكم إلى أن تذهب بعض الكتابات الغربية للقول: إن التكوينات الاجتماعية والثقافية والروحية للمجتمعات العربية والإسلامية تحمل مكونات جوهرية لا تعمل مع الوقت لمصلحة ونشأة أو تبني تطبيقات تؤكد سيادة القانون، أو الأخذ بمبادئ حقوق الإنسان والمواطنة والعدالة الاجتماعية ... ويرى هؤلاء الكُتاب أن الدين الإسلامي يختلف عن الأديان الأخرى في مقاومته لمسألة الديمقراطية و حقوق الإنسان ودولة القانون ... ونتيجة لذلك ووفق هذا القول فإن المجتمعات العربية والإسلامية رافضة لأي شكل من أشكال النظم الحياتية والسياسية العصرية التي تشكل الديمقراطية بعناصرها ومبادئها المختلفة المركز الأساس فيها.

بمعنى آخر: إن هناك اتجاهاً في أوساط الكتاب الغربيين يرون أن الإسلام غير متسق والديمقراطية، ويؤكد هؤلاء وجهة نظرهم من خلال افتقار الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية إلى تمييز واضح بين المسألة الروحانية والمسألة العلمانية، بل إن شخصية أكاديمية غربية مثل إيلي خدوري يرى أن "فكرة الديمقراطية هي جد غريبة عن التفكير العقلي الإسلامي". بل إن هذه الفكرة قد أكدتها، وفي وقت مبكر من القرن الماضي ( العشرين)، كتابات الحركيين الإسلاميين كسيد قطب الذي يعتقد أن الديمقراطية تشكل تهديداً للإسلام، ويشاركه مثل هذا الرأي أبو الأعلى المودودي.

وتذهب هنا الاتجاهات السلفية، حتى تلك المشاركة في العملية الانتخابية، إلى اعتبار العملية الانتخابية مفسدة كبرى، إلا أنهم يرون في مشاركتهم هذه مفسدة صغرى لدرء المفسدة الكبرى. وتتسق هذه الأطروحات والكثيرَ من الأطروحات الرسمية (الحكومية) العربية، التي تذهب إلى القول: "إن الديمقراطية بوصفها نظاماً للحكم لا يتسق والتقاليدَ والقيم المحلية وهو نظام غريب عن التعاليم الدينية، وهو في هذا صناعة غربية مقدمتها اختراق المنطقة العربية واستمرارية تبعيتها للغرب و الولايات المتحدة الأمريكية" وهي حالة دفعت بعض الكتاب للاعتقاد أن العالم العربي والإسلامي، لا يقدم أية خبرة مهمة فيما يتعلق بنماذج في الحكم الديمقراطي، وإنما يقدم أنماطاً في حكم العسكر والحكم الأوتوقراطي.

فتقارير بيت الحرية، والتقارير الدولية الأخرى تشير إلى أن دولة إسلامية واحدة فقط، وهي اندونيسيا تقع ضمن خانة الدول الديمقراطية، أو الحريات السياسية الكاملة،(في الدرجة الثانية) في حين تأتي تركيا -على الرغم من تجربتها الانتخابية الناجحة، خلال العشر سنوات الأخيرة- ضمن خانة الدول ذات الديمقراطيات المنقوصة والحريات السياسية الجزئية، وإن جاءت متقدمة على الدول العربية و الإسلامية الأخرى، إذ أحرزت الدرجة الثالثة على مقياس الحريات السياسية و المدنية. و تقع في خانتها، و إن بدرجات مختلفة لا تتجاوز الخمس درجات، ثلاث من الدول العربية وهي المغرب والكويت ولبنان، وتقبع باقي الدول العربية في خانة الدول المعدومة الحريات السياسية وان جاءت ببعضها.

فالديمقراطية لا تنزل على الأشخاص فجأة، كما أنها لا تولد معهم وإنما هي قيم واتجاهات ومبادئ تتشكل في عقر دار المجتمع و في منظماته المدنية، وتجمعاته الأهلية وفي مؤسسات الدولة وممارساتها. وهي لذلك ثقافة تنشأ مع الناس ويتشربونها مما حولهم من قيم وتوجهات واتجاهات وسياقات ثقافية وتفسيرية أكثر حداثة و مواءمة للنصوص الدينية. وهو تحول يحتاج إلى الكثير من العمل المؤسساتي وإلى فسحة زمنية والى تراكم في الخبرات و تصويب في الممارسات.