'أجراس الحروف'.. والكتابة في زمن الخوف

اكتب ولا تخف

على مكتبي ثلاثة كتب من تأليف هذا الشاعر والقاص والمفكر صاحب الإسم اللامع في سماء الصحافة الثقافية العربية. أحدث هذه الكتب صدر مع مطلع هذا العام في سلسلة "كتاب دبي التقافية" بعنوان متفائل هو "أجراس الحروف"، فقد تخيل سيف المري أن للحروف أجراساً تُقرع لتنبه الضمائر وتوقظ الذمم، وكأنه يتمثل مونولوج شاعرنا الراحل عبدالرحمن الشرقاوي:

"الكلمة نور

بعض الكلمات قبور

بعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري

الكلمة فرقان ما بين نبي وبغي

بالكلمة تنقشع الغمة".

ويستهل الكاتب والشاعر الكبير سيف المري صفحات هذا الكتاب، الذي يضم مجموعة من المقالات المشحونة بالمواقف تجاه ما يحدث في عالمنا العربي من حراك، بفصل يحمل عنوان "الثقافة أولاً" يقول فيه: "إذا كان الإنسان هو الثروة الحقيقية لأية أمة فإن الثقافة تمثل روح الأمة التي تميزها عن غيرها من الأمم، وبقدر الرقي الثقافي يكون رقي الإنسان.

والثقافة العربية من أعرق الثقافات الإنسانية التي ضربت بجذورها في تربة الحضارة، وقد أعطى الإنسان العربي للبشرية من خلال ثقافته ما أوصلها إلى هذا التقدم الذى تحياه الآن؛ ولولا إسهام العرب في الحضارة الإنسانية لكان العالم الآن لا يزال غارقاً في الظلام، ومن هنا وجب على الأمة العربية أن تولي الجانب الثقافي فيها ما يستحقه من اهتمام من خلال تأسيس العقل العربي الجديد على ثقافة واسعة؛ قابلة للحوار مع الآخر ومنفتحة على جميع الآراء والمشارب من دون تعصب أو أحادية رأي ومن دون خلط للأوراق".

وفي فصل آخر أعطاه هذا العنوان "ثقافة الإعلام.. وإعلام الثقافة" يتباكى المري على واقع الكتاب في عالمنا العربي في ظل سطوة الفضائيات، وهيمنة الصورة: "الكتاب.. ذلك الكائن الحي الذي عاش عبر القرون.. أمسى عاجزاً عن المنافسة والتربع على عرش المفاضلة، بعد أن أزاح التلفاز جميع وسائل النشر الأخرى من طريقه.. وأي كتاب أو كاتب صار همه الأول أن يتعرف إليه قراؤه من خلال الشاشة الصغيرة التي – بدخولها عصر الفضاء – كرست وجهاً آخر من وجوه الثقافة السطحية، وهي ثقافة التلقي السلبي حين يجلس المشاهد فاغراً فاه وهو يرى ويسمع من دون أن يتمكن من عمل شيء إزاء ما يتلقاه. وصارت صناعة الإعلام مهنة لها خبراؤها الذين اهتموا بكل شيء سوى الثقافة الجادة، فلو استثنينا قناة "ديسكفرى" الأجنبية المهتمة بالعلوم التقريرية فإننا لا نجد فضائية أخرى لها نسق علمي أو ثقافي بالمفهوم الواسع للثقافة، كما أن الفضائيات الأجنبية إن اهتمت فإنها تكرس مفاهيمها ومعتقداتها الثقافية ولا تقيم وزناً لما وراء ذلك من ثقافات".

وفي فصل ثالث يحمل عنوان "صراع الثقافات" يناقش المؤلف قضية خلافية لم تحسم حتى الآن: "يجمع المتفرقون على أن الصراع بيننا وبين الغرب ليس صراع حضارات بقدر ما هو صراع ثقافات.. وأننا لسنا حديثي عهد به؛ فمن يتتبع التاريخ، ولاسيما التاريخ المعاصر، يجد محاولات طمس الثقافة العربية والهوية العربية واضحة جلية من المستعمر الغربي، وبخاصة الاستعمار الفرنسي.

ولو نظرنا إلى الاستعمارين البغيضين: الفرنسي والبريطاني إبان سطوتهما، لوجدنا تناقضاً في التعاطي الثقافي مع الدول التي يتم استعمارها؛ فالمدرسة الفرنسية حريصة أولاً وقبل كل شيء على نشر الثقافة الفرنسية، وربط الشعب المغلوب على أمره بما يمكن تسميته، جوازاً، البلد الأم؛ فنرى مثلاً أن الفرنسيين في فترة حملة نابليون على مصر وفي غضون عدة سنوات قد نقلوا معهم هذا الفكر؛ فالمطبعة العربية التي رافقت نابليون في حملته، واكتشاف حجر رشيد الذي فتح اكتشافه الفكر الإنساني على أبجدية الفراعنة، ومن خلاله تمت قراءة ما كان لغزاً محيراً للعقول من كلمات وجمل، فأفاد ذلك الاكتشاف التراث الإنساني بشكل منقطع النظير.

وعلى عكس ذلك تماماً، وبعد فترة من الزمن، جاء الاستعمار البريطاني إلى مصر ومكث زهاء قرن كامل، وكل ما كان يفعله هو النهب الذي مارسه على امتداد رقعة الوطن العربي الكبير؛ فبينما نجد الاستعمار الفرنسي في تونس والجزائر والمغرب, وفي بلاد الشام أيضاً، ينشر اللغة الفرنسية ماسحة قدر الإمكان اللغة والثقافة العربية، نجد أن الاستعمار البريطاني كان اهتمامه الوحيد بالنهب وإثارة الحروب والفتن، مع أن بريطانيا كانت عندئذ في قمة التقدم العلمي والحضاري والفكري وفي غاية الثراء، إلا أنها لم تشيد مدرسة أو تشق شارعاً أو تعمر مستشفى، بل على عكس ذلك تماماً كان انتشار الأمية وطمس الثقافة ومحاربة الفكر هو أحد أساليب السيطرة التي مارستها، بينما كادت الثقافة الاستعمارية الفرنسية تنجح في محو آثار هويتنا الثقافية في المغرب العربي، فأصبحت اللغة الفرنسية هي اللغة الأولى، وتراجعت اللغة العربية لتظل لغة تعبدية.

ولولا الكتاتيب ومدارس حفظ القرآن التي كانت منتشرة هناك بكثرة لضاع اللسان العربي".

وسيف المري، الذي درّس التربية وعلم النفس وتخصص في إدارة المؤسسات الصحفية في جامعة سيركيوز الأميركية ويعمل مديراً عاماً لدار الصدى ورئيساُ لتحرير أكثر من مجلة ثقافية وفنية تصدر عنها، تشغله اللغة باعتبارها دالة على الهوية، وهذا ما نلمسه في فصل آخر من هذا الكتاب، جاء بعنوان "ترميم اللغة": "هناك رباط قوي بين قوة حضارة أية أمة وانتشار لغتها، ولا حاجة إلى التدليل على هذا الطرح، فحيث تسود حضارة ما فإن أول عناصر سيادة هذه الحضارة تداول أمرين مهمين هما: لغتها وعملتها، أي الهيمنة الثقافية والهيمنة الإقتصادية، وأكبر دليل على ذلك انتشار اللغة الإنجليزية مع التمدد الأميركي في العالم، وكذلك انتشار الدولار الأميركي عبر تخوم المعمورة، وكأنه صار عملة العالم، ومن هنا نرى ضرورة الاهتمام بلغتنا العربية التي ادعى المدعون أنها لا تجاري روح العصر، مع أنها من أكثر لغات العالم حيوية وقبولاً للتجديد.

ولو نظرنا في قاموس اللغة الإنجليزية لوجدنا من المفردات العربية ما يستعصي على الحصر في هذه العجالة، والتي أخذتها اللغة الإنجليزية منا في فترة رقي حضارتنا وهيمنتها على العالم، وكذلك فاللغة العربية لغة هاضمة للكلمات القابلة للحياة، فقاموسها يحوي أيضاً بين دفتيه كلمات معربة دخلت حيز الاستخدام اللفظي وصارت عربية وتم تداولها على هذا الأساس إلى درجة يُهيأ للمتلقى العادي أنها وجدت هكذا".

ولا بد من أن يستوقف القارئ هذا الفصل الذي أعطاه المري عنوان "الكتابة في زمن الخوف" وكأنه مرآة ينعكس على سطحها وضع المبدع في كثير من الأمصار: "إذا كان الخوف متأصلاً في كل مكان، أصبح البيت سجناً إختيارياً يلجأ إليه الناس من غضبة وانتقام من يقطعون الطريق ويدققون في الوجوه بحثاً عن تهمة ما.

وما دمت خائفاً، فأنت متهم بأنك تخبيء شيئاً وعليك الإدلاء بالاعتراف بمحض إرادتك أو رغماً عنك، ولكن اكتب ولا تخف، فأنت رسول الكلمة، والرسل لا يخافون، واجعل كتابك مرشداً لمن سيأتي، فإن أردت أن تكتب عن طاغية معاصر وخشيت من غضب العسس، فاكتب عن الطغاة عبر التاريخ فهم لا يتغيرون، والذي يتغير فقط هو زمن الطغيان وأسماء ممثليه على خشبة مسرح الواقع. أما الأحداث والتفاصيل فإنها متشابهة، وليس ذلك بجديد على الأدب الإنساني، فحكايات "كليلة ودمنة" أنموذج حي يشهد على ذلك عندما وضعها "بيدبا الفيلسوف" على ألسنة الحيوان ليأمن غائلة الملك الطاغية في زمانه، وليدلل على أن الحياة أيضاً غابة لها وحوشها المفترسة، وشريعتها المستمدة من المخالب والأنياب، ولكن أمن الجائز للثقافة والكتابة في زمن الخوف أن ترتدي ثياب التخفي لتعبر عن مكنوناتها؟! أم أن عليها أن تواجه وتدفع الثمن لتؤسس لمن سيأتي؟! إنه سؤال موغل في الصعوبة ولا يقدر أن يجيب عنه إلا من جرَّب سجناً مثل سجن "أبو غريب" ذائع الصيت الذي تتضاءل قامة الباستيل أمام فظاعته".

وتتوالى فصول الكتاب: "العلاج بالصدمات القاتلة"، "عندما نقفل الباب في بيت ليس له سقف"، "من الذي يرسم اللوحة ويعبث بالألوان؟، "الأيض الثقافي"، "روح الشعر"، "هل نستطيع أن نحلم؟"، "قراءة مبتسرة في لوحة سوريالية"، "الفكر الصهيوني وإلغاء الآخر".

mostafa4100500@hotmail.com