دفاعا عن مصر: كتاب ومثقفون في مواجهة النظام الإخواني! (1)

ما الذي نقصده بدور المثقف؟

الآن وقد استولت جماعات وتيارات الإسلام السياسي ممثلة في جماعة الإخوان المسلمين على السلطة ومفاصل الدولة، وعاثت باسم الدين قمعا وفاشية واستبدادا، لتفرض قبضتها على اختلاف أجهزتها ومؤسساتها، هل بقي من دور يمكن أن يلعبه المثقفون لإنقاذ مصر أم أن الأمر انتهي؟

سؤال طرحناه على عدد كبير من الكتاب والمثقفين في محاولة لإضاءة المشهد والتعرف على الرؤى والأفكار بعد أن بات هذا المشهد وأصحابه من مثقفين وكتاب وإعلاميين ومحللين سياسيين أهدافا لمجموعة من شيوخ ودعاة وأنصار هذه الجماعات والتيارات، وهو الأمر الذي تشهده البلاد بشكل يومي وعلى مدار الساعة، حيث أصبح التنكيل سحلا وتكفيرا وقذفا وسبا يطالهم جميعا، مما تهدد حرية المواطن في الشارع فما بالنا بأصحاب حرية التعبير الفكري والإبداعي والثقافي في مختلف المجالات.

نظام فاقد للشرعية

بداية يؤكد الناقد والكاتب السينمائي أمير العمري أن دور المثقفين هو بالضرورة دور قيادي، والمثقف ليس فقط المبدع الأدبي والفني، بل هو أيضا من يمارس العمل السياسي بوعي يعكس قدرته على القيادة والتعبير عن مصالح الجماهير. "الدكتور محمد البرادعي مثال للمثقف الذي يمتلك وعيا سياسيا، وهناك مثله كثيرون يحاولون الآن تغيير دفة المجتمع للعودة به إلى مسار المائتي عام الأخيرة، منذ بدء مشروع محمد علي لبناء مصر الحديثة".

ويضيف "مطلوب من المثقفين جميعا كطبقة أو كشريحة كبرى في أهم شرائح المجتمع، أن يدركوا أن مشروع محمد علي لبناء دولة حديثة تقوم على المنجز الحضاري الذي أسهم فيه العرب والمصريون بنصيب في الماضي إلى أن أنتج ما أنتجه حاليا، وهو ما يطلق عليه البعض "الحضارة الأوروبية"، هذا المشروع معرض للانهيار التام حاليا بفعل كل الدعاوى التي تطلق في الهواء وترفع شعار "الدولة الدينية" و"الشريعة" والعودة إلى الأصول، والتشدق بالحديث عن "ثقافة الشعب"، وكأن استسلام الشرائح والطبقات الفقيرة في مصر لما يقدم لها من وعود بالجنة من خلال الخطباء السياسيين في المساجد، أو الرشاوى المادية إبان الانتخابات، هي ثقافة الشعب!

أمير العمري

وطالب العمري بالنزول للجماهير في الريف والأحياء الفقيرة في المدن الداخلية في الصعيد وغيره، وليس الاكتفاء بالوجود في العاصمة أو في الإسكندرية، "عليهم أن يناقشوا الناس ويكشفوا لهم الحقيقة، حقيقة أن مصالحهم الحقيقية سيتم اكتسابها في خلال مجتمع ديمقراطي حقيقي. عليهم كشف طابع الاستبداد الذي يميز جماعة الإخوان المسلمين وخطابهم السياسي. ولا بد من العمل على محورين: مواجهة الإخوان في صناديق الانتخابات والعمل على التصدي لمنع التزوير من جهة، والتحريض على الفعل الثوري من ناحية أخرى، دون الخوف من الاتهام بالانقلاب على الشرعية، فنظام يخالف كل تعهداته ويعتدي اعتداء صارخا على القضاء وغيره من المؤسسات المصرية العريقة، هو نظام فاقد للشرعية تماما كما كان نظام حسني مبارك".

• فضح الحقيقة الفاشية للإخوان

ويشدد د. سيتي شنوده باحث متخصص في الشئون الإسلامية على أن المثقفين والإعلاميين لهم أهم دور في مقاومة جماعة الإخوان الفاشية، التي استولت على مصر بالغش والخداع، والتحالف مع أميركا والتهديد بتحويل شوارع مصر إلى دماء. و"أهم دور للمثقفين هو كشف هذه الجماعة على حقيقتها، وكشف وسائل الكذب والمراوغة التي يستخدمها الإخوان لخداع الشعب المصري، ومنها استخدام اللجان الإخوانية الإليكترونية لتضليل الناس، والاعتداء على الإعلاميين والمثقفين والقضاة والمعارضين لإرهابهم وإسكات أصواتهم التنويرية التي تكشف ألاعيب الإخوان وتفضح حقيقتهم الفاشية الإرهابية".

سيتي شنوده
الأسوأ على مدار التاريخ

وترى الشاعرة عزة حسين أن المثقفين سيظل لهم دورهم الذي يلعبونه، "أولاً لأنه لا فرق لديهم من هو الشخص أو الحزب أو الجماعة التي في السلطة، فعلى مدار القرون الفائتة، لم يصل هؤلاء المثقفون ولا أحزابهم إلى السلطة، وطوال الوقت تعتبرهم كل السلطات أعداءها وتمعن في تهميشهم والتنكيل بهم، وحتى عبدالناصر الذي كان مشروعه الأقرب إلى ذهنية وأحلام هؤلاء المثقفين نكل بهم نظامه وسجنهم، وأيام الخديوي عباس حلمي الثاني الذي كان قريباً بداية عهده من المثقفين أمثال مصطفى كامل وسعد زغلول وحافظ إبراهيم وقاسم أمين، سرعان ما تخلى عنهم بعد ضغوط الاحتلال البريطاني، لا سلطة إذن كانت حليفتهم، لكن يمكن اعتبار هذه التيارات الميكيافيللية، أحادية الفكر هي الأسوأ على مدار التاريخ، أولاً لأنها تتعامل مع حكم مصر بنفس منطق أسد جائع فار من الحبس، ثانياً لأنها لا تقدر معنى الاختلاف، وتبني منهجها بناءً على طاعة والتزام القطعان، وهذا عكس منطق المثقفين المتمردين على السائد، والمنحازين بالطبع لقيم الحرية والعدل، لكنني أتوقف عند كلمتي دور المثقفين، وأتساءل ما الذي نقصده بدور المثقف، متذكرةً هنا كلمة فيلسوف الشعر د. عبدالغفار مكاوي "لم أشارك في مظاهرة إلا كمتفرج أو في الصفوف الأخيرة كمن يمشي في جنازة".

وتضيف عزة حسين "هل بات لزاما على المثقف المصري أن يقتطع من وقته الممزق أصلاً بين العمل الروتيني، واللهاث خلف المواصلات العامة، وبين القراءة والكتابة، يقتطع من كل ذلك وقتا لممارسة العمل العام والتظاهر، ورفع الدعاوى القضائية والمشاركة في الأحزاب والانقلاب عليها، وقذف المواكب الرئاسية بالطوب؟ أقول هذا دون أن أملك إجابةً، فالأمر مختلف من كلٍّ للآخر، وما أومن به أن هذه اللحظة الحالكة، تواجهنا جميعاً نخبةً وجماهير بأنه صرنا في خطر، الأمر لم يعد يتعلق فقط بالموارد قدر ما هو مرتبط بالهوية، هوية المجتمع المصري التي لم تمحها عشرات جيوش الغزو والاحتلال، وأنه لم يعد مفراً من التركيز أولا على التعليم ونوعه ومستواه، ومواصلة النضال، الذي لن ينغلق بابه بعد ثورة يناير أيضاً وبقي أن تعي النخبة أن لعبة التوازنات ومناورات الغرف المغلقة باتت أقل من طموح الشباب الذي حاصر الطاغية الإخواني في قصره وأجبره على الفرار، ولولا حسابات هذه النخبة لكان ذلك اليوم نهاية لحكم مرسي الإخوان وشاطرهم ومرشدهم وميليشياتهم".

طاهر البربري

• الصبر ليس اعتباطيا

ويعتبر الكاتب طاهر البربري أن القول بانتهاء الأمر في مصر رؤية ينقصها الكثير من الوعي بمصر "على المستوى التاريخي والسياسي" وبالمصريين "على المستوى الاجتماعي والاقتصادي الراهن". ويقول "الأمر بالتأكيد لم ينته مطلقًا، وهناك بدايات كثيرة لا نهايات لها. والنهايات ـ إن وجدت ـ فهي ليست مفتوحة كما يقول المحللون السياسيون. أرى أن النهاية الوحيدة المتاحة هي انتصار الشعب المصري على وعيه الزائف بالتيارات المتأسلمة. وأتصور أيضًا أن صبر المجتمع المصري ليس صبرًا اعتباطيًا، ولا صبر من ينتظر المتأسلمين لتعديل مسارهم، إنه صبر من يريد أن يتجنب إرهاصات العنف المعلن في أداء ردة فعل هذه التيارات "الغشيمة، الرديئة، المتاجرة بكل القيم، الموصومة بكل صنوف الرذيلة والرداءة ما ظهر وما ظهر لأنه لم يعد هناك ما بطن".

أما بخصوص الدور الذي يمكن أن يلعبه المثقف في عملية إنقاذ الوطن، فيؤكد البريري أنه لا أعول كثيرًا على أعضاء الجماعة الثقافية في مصر؛ والتاريخ يعلن هذا واضحًا، إذا لا دور للمثقف المصري "إلا عبر فرديات نادرة" في النضال ضد الاستبداد "على الأقل خلال العقود الثلاثة الماضية" ومشاركة المثقف في الموجة الأولى من ثورة يناير 2011، كانت مشاركة المواطن وليس المثقف. السواد الأعظم من المثقفين، كانوا خارج دائرة الفعل الثوري، وكانوا خارج الخلايا التي أسست لمظاهرات يناير 2011، ومن قفز منهم على الفعل الثوري فيما بعد مارس مهنته الرئيسة المتمثلة في اللعب على المضمون؛ مثلنا في ذلك مثل التيارات المتأسلمة. الدور القادم للشعب، للفقراء، للعمال للفلاحين للموظفين؛ لا دور للمثقف في هذه الثورة، الدور كله تلعبه كمية الدم المُراق في ميادين مصر. ولنا أن نراجع مواقف حزب التجمع، وهو واجهة اليسار المصري، ومن ثم المثقف المصري؛ لنا أن نراجع أيضًا مواقف النخبة لنتعرف إلى أى مدى تسببت هذه النخبة ـ جراء لهاثها خلف مآربها ـ في إضاعة الوقت والفرص؛ وأنا هنا لا أستثني نفسي من دوائر النخبة الرديئة المطعون ـ يقينًا في احترامها لقيمها الوطنية ـ وذلك حتى لا أحتل مكانة لا جدارة لي بها. أتصور، وهذه أمنية شخصية، أن الثورة سوف تستكمل أهدافها، وأتصور، وهذه أمنية شخصية ومجتمعية وسياسية أيضًا، أن مصر سوف تتخلص من القيح السياسي المسمى بالإخوان المسلمين وما ينبثق في ظلالهم من فرق أخرى، وأتصور أيضًا، أن صعود الإخوان للسلطة سيعتبره المصريون فيما بعد: الضارة النافعة.

يد واحدة لا تصفق

ويشير الكاتب والصحفي مصطفى درويش "شعار المرحلة هو "لا" على الطريقة الأرجنتينية، المثقفون في مصر غير متحدين، نقطة ومن أول السطر. أضاف إلى هذا أن الاتحاد المطلوب منهم سقفه أعلى من إمكانياتهم، مع ضرورة وجود أكبر قدر من الإبداع ليمكنهم قول كلمة "لا" ألف مرة بشكل مختلف. قرأت مؤخرا تحقيقا عن مستشفيات أرجنتينية تستخدم رقصة التانجو في علاج المصابين بالذهان، لأنها صعبة وتحتاج إلى مراقبة خطواتك وخطوات الشريك. هذه العملية تبعد عقول المصابين بالذهان عن الخيالات والأوهام، وترغمهم على التفاعل مع الآخر، الذي هو خارج عالم المريض بالذهان. كما يستخدم التانجو أيضا في علاج المصابين بالاكتئاب، ويطلب منهم تصميم استعراضاتهم الخاصة. في الأرجنتين هناك مثل شائع يقول "رقصة التانجو تحتاج إلى شخصين"، ومعناها واضح "يد واحدة لا تصفق". كذلك المثقفون يجب أن يشجعوا الناس على تصميم استعراضاتهم الخاصة، للإبقاء على الرفض واليقظة مما يخشون حدوثه في مصر.

مصطفى درويش
ويقترح درويش على المثقفين عددا من الاقتراحات المهمة "ما يمكن أن يتبناه المثقفون من وجهة نظري حاليا هو ابتكار ورعاية حملات، واحدة تلو الأخرى، لإظهار الرفض والمقاومة الفكرية. على سبيل المثال، حملة لبيع قمصان بيضاء تحمل كلمة "لا" يتبناها مثقفون وإعلاميون لارتدائها في صلاة الجمعة. واستخدام عائدات بيعها في أنشطة اجتماعية توازي أنشطة الإسلام السياسي. أو المساعدة في تمويل محطة فضائية للأزهر وأيضا محطته الإذاعية. والبعد عن الوسائل التقليدية مهم في هذه المسألة، فمن المهم أن تكون الكنيسة المصرية أحد المتبرعين بمبلغ جيد. أو يمكن أن يتوسط المثقفون لدى أصحاب حقوق الطبع والنشر وأن يسهموا بأعمالهم في توفير أكبر عدد ممكن من المكتبات المجانية على الإنترنت. وهي إحدى الوسائل التي انتشر بها الفكر المتطرف بعدما سيطر على عدد كبير من دور النشر والطبع، مستلهمين من ثورة الكاسيت للخوميني، أو تنظيم حفلات غناء "وطني" مجانية للتركيز لإعلاء قيمة الوطن. أو سينما صيفية متحركة في الحدائق العامة. ولا أعتقد أن الظرف الراهن أقل أهمية من نصر أكتوبر بالنسبة لأهمية الأعمال الفنية، لأنه وقتها استعدنا جزءا من أرضنا من اليهود، واليوم ندعوهم للعودة إليه كله.

ومن المهم أيضا إفساح المجال للمتصوفة في الإعلام المصري لأن هذه الفئة المجتمعية كبيرة فعلا. وتعيين وزير إخواني للأوقاف قد يفجر مشاكل عديدة في الفترة المقبلة. أيضا من المهم تقديم نماذج الفشل التي أصابت بالفعل تونس والسودان وغزة في "برامج توعية سياسية" وليس برامج "توك شو"، لكي تصبح هذه البرامج جزءاً من ثقافة المواطن المصري. وصدقني ستلاقي هذه البرامج إقبالا كبيرا من المصريين حاليا".