مع المتظاهرين أم ضدهم

بفعل الأزمات المتعددة المتلاحقة التي أصبحت مظاهر ثابتة في حياة المواطن العراقي، من أي منطقة كان أو طائفة أو عشيرة، وعلى امتداد عشر سنوات عجاف، على أيدي حكامه الحاليين، شيعة وسنة، صار من المتوقع والطبيعي واللازم أن تنهض القوة الشعبية الثالثة المعطلة من غفوتها، وتقلب الطاولة على رؤوس أصحابها من فرسان المحاصصة الفاسدة، وتحرر الوطن من فشلهم، وتعيد بناءه على أسس جديدة من العدل والمساواة وسلطة القانون الحقيقية وليس المزورة.

ولأن سجل هذا الخراب ثقيل ولا يحُتمل فلم يعد متوقعا ولا معقولا أن يوجد عراقي واحد عاقل ومنصف ومخلص لوطنه وأهله يعارض تعديل المائل وتصحيح الخاطئ واستئصال المرارة المزمنة.

وحين انطلقت تظاهرات الأنبار، حتى وإن كانت شرارتها الأولى طائفية ردا على اعتقال أفراد حماية العيساوي، تفجرت مشاعر الغضب الوطني المُبرأ من العنصرية والمناطقية والطائفية، وطهرت الجموع صفوفها من تجار السياسة، ورمتهم وراء ظهرها، بل لاحقت أحدهم بالحجارة والهتافات الغاضبة.

ثم خرج من بين هذه الجماهير رجل دين شريف وعاقل ومنصف ليحمي هذه التجمعات الغاضبة من الشطط والتعصب والعبث والكراهية والطائفية والعنصرية، واستجابت له الملايين واحترمت نداءه والتزمت بتوجيهاته المبشرة بالخير.

وكان الأمل أن تتسارع الجماهير الأخرى، في مدن الوسط والجنوب، وأن تشتعل ثورة العدالة والوطنية في جميع أرجاء الوطن المخرب، ويسقط هذا النظام الذي لا يُشرِّف أحدا ولا يَسر غير أصحابه الأنانيين الانتهازيين المنافقين.

صحيح أن بعض وفود العشائر العربية جاءت من محافظات الجنوب لإعلان دعمها وتضامنها وتأييدها، إلا أن التظاهرات المقابلة التي أخرجها "المالكيون" و"الائتلافيون"، للرد على تظاهرات الأنبار والمناطق الأخرى المتضامنة معها، ربما بأوامر من الخارج أو بجهالة أو بارتزاق، جددت فينا مشاعر اليأس والحزن والقنوط. فهل يعقل أن يتظاهر مواطن عراقي واحد تأييدا لحكومة لم تقدم له شيئا غير الذل والفقر والفشل والاختلاس؟

وبهذه التظاهرات المعيبة يضيف المنظمون لها خطيئة أكبر وأخطر إلى سجل خطاياهم المتعددة حين ينقلون حروبهم ضد منافسيهم ومعارضيهم إلى الشارع الشعبي العام، لتصبح بين طائفة بكاملها وطائفة أخرى بكاملها أيضا، وهذا أكبر الشرور.

والحجة التي ساقها أحد قادة حزب الدعوة ليخدع بها الجماهير ولكي يبرر بها تسيير هذه التظاهرات المشاكسة هي "الوقوف بحزم أمام أية محاولة لتمرير أي قوانين تفتح الباب أمام الهجمات الإرهابية، وعدم السماح بتطبيع العلاقة مع البعثيين".

فهل هناك نفاق وتزوير وتهويش وخداع وغش أكثر من هذا؟ فمن يستطيع أن يجزم بأن الذين يقومون بالهجمات الإرهابية هم فقط هؤلاء المتظاهرون في الأنبار ومؤيدوهم؟ ألا يوجد قتلة وإرهابيون ومفجرو مفخخات في أحزاب الدين الإيراني ومليشياتها العديدة؟ ثم، من قال إن هناك بعثيين يريد أحد من المتظاهرين أن يطبع معهم علاقة؟ ألا يعرف هذا المخادع أن حزب البعث تبخر وتفتت وتناثر وتوزع قادته الكبار والصغار على أحزاب الطوائف والمليشيات المتنافرة؟ ثم لماذا لا ينظر إلى بطانة قائده المالكي ويحصي أعداد البعثيين الكبار الذين أطالوا لحاهم ووضعوا الخواتم في أصابعهم وصاروا أدوات قتل وإرهاب بيد القائد الضرورة الجديد؟

وإن كان هذا المتقول الأفاق يَهرف بما لا يعرف فأين عقلاء الشارع الشيعي وديمقراطيوه وعلمانيوه وشبابه التقدمي الطالع الجديد؟

وحتى إذا كانت هناك مآخذ أو مثالب يمكن أن تحسب على تظاهرات الأنبار والمناطق الأخرى المؤيدة لها فواجب القوى الوطنية الديمقراطية والتقدمية، أن تهب، رغم الخلافات والانقسامات والشكوك، لتجعل صوت الحق والعقل والوطنية الحقة هو الأعلى فيها، وتصحح مسارها وتنقي خطابها من أدران العنصرية والطائفية والمناطقية، ولتطرد فلول البعث الخائب من بين صفوف هذه الجماهير. فهي فرصة لن تتكرر لإحياء القوة الثالثة المُغيبة، وخلق الجبهة الوطنية الموحدة القادرة على استعادة الوطن من سارقيه، وهم كثيرون.

أما المُحزن الأخر فهو تعليق المتظاهرين جميع مطالبهم على مداولات البرلمان، وعلى احتمال تعديل هذه المادة من الدستور أو تلك، أو إلغاء هذا القانون أو ذاك. وهم يعلمون أن لا برلمان ولا حكومة، بل هي شلل ومليشيات متقاتلة متنافرة لا أمل في صحوة ضمير أحد من تماسيحها الكبار.

إن المطالبة بإصلاح هذا النظام الأعوج بأيدي قادة النظام أنفسهم أمر يشبه النفخ في قربة مثقوبة. فأساس الدولة العراقية الجديدة التي قامت على أنقاض دولة البعث الساقطة أساسٌ رملي مغشوش وضعه محترفو سياسة شطار متمرسون في الخداع والمراوغة والنفاق. فالزعماء الحاليون، سنة وشيعة معا، لن يقبلوا عن هذا النظام الفاسد بديلا، حتى وهم جميعا يتشدقون بالشكوى من فساده.

وها هو الوطن، تحت قيادتهم الرشيدة، وقد تحول إلى خرابة حقيقية لا يأمن المواطن فيه على نفسه ولا على رزقه. يسأل ولا أحد يجيب، متى تجيء الكهرباء، ومتى يأتينا الماء والدواء والغذاء، في دولة ٍ ميزانيتهُا لهذا العام تجاوزت مئة مليار دولار، بالكمال والتمام؟

لم تبق منظمة إنسانية دولية محايدة ومهنية إلا وضعت دولتنا العتيدة في كعب قوائم الدول الفاشلة، وعابت علينا أمننا المضطرب والمفقود والمخترق، وحقوق إنساننا الممزقة، وفسادنا المالي، وتخبطنا الاقتصادي، وعشوائيتنا السياسية، ونَهْبـَـنا المنظم لكل ما تحت الأرض وما فوقها، علنا ودون خوف أو حياء.

لا أحد يستطيع أن يبرئ من جريرة هذا الفساد المزري حزبا دون حزب، ولا طائفة دون أخرى. فالكل ساهم بقدر أو بآخر في صنع هذا الخراب. ونحن، أهل هذا الوطن جميعنُا، نتحمل بمقادير مختلفة، مسؤولية هذه الشلة من الحكام المنافقين.

من زمن بعيد وقراءُ مقالاتنا من حبايب نوري المالكي وحزب الدعوة ودولة القانون يشتموننا ويتهموننا بالتحامل، ويستغربون إصرارنا على ترحيل دولة الرئيس وبطانته المعوقة.

لكنهم يسكتون ويلوذون بالفرار حين يلطم السيد السيستاني، نفسُه، وجوه َ الحكام الفاشلين، ويُعنفهم ويُحملهم مسؤولية خراب البيوت، ويهاجم العملية السياسية البائسة.

فكم من مرة خطب معتمد السيد السيستاني ليعلن أن ظاهرة الفساد المالي والاداري تنتشر بشكل متزايد في مؤسسات الدولة، الصغيرة منها والكبيرة، وذلك بسبب عدم نزاهة وكفاءة ومهنية بعض المسؤولين والموظفين، لأنهم تسلموا تلك المناصب وفق انتمائهم الى أحزاب وجهات معينة؟

وكم مرة قال بعلو الصوت "إن هناك دولا فقيرة لاتملك ثروات وإمكانات كما يملك العراق لكنها نهضت بواقعها الخدمي والعمراني؟" وكم من مرة أيضا شدد على "ضرورة اختيار العناصر الكفوءة في مواضع العمل، بعيداً عن الانتماءات السياسية والطائفية، ومراقبة وتدقيق الكثير من عقود المشاريع التي يشوبها الفساد؟"

فكل شيء لحزب الدعوة. فإذا أعيتك السبل في أمر من الأمور فعليك بواحد من أعضاء الحزب القائد ليفتح لك الأبواب المغلقة. أما إذا كبرت عليك العقبة فما عليك سوى أن تطرق أبواب السيد أحمد المالكي أو شقيقته إسراء. إن رئس وزرائنا يفعل ما كان يفعل سلفه، في بداية عهده بالقيادة. يحالف هذا ليضرب ذاك، ويحتضن "شين" ليجتث "عين". والحبل على الجرار، والدائرة تدور ولن تتوقف حتى نرى المالكي وقد وضع على رأسه عمامة أمير المؤمنين.

الشيء الوحيد المقدس لديه هو الكرسي المذهب وحده لا غير. تماما كصدام حسين. فمن يخدم ذلك الكرسي ويحرسه ويُمد في عمُره، شيعيا كان أو سنيا، عربيا أو كرديا، مسلما أو مسيحيا، يكون من المقربين المعززين المكرمين، ومن تسول له نفسُه المساس بقدسيته وقدسية الجالس عليه فليس له سوى السياط، وربما الكواتم والتهم الملفقة. والملفات مكدسة وجاهزة لاستخدامها عند الحاجة الوطنية العليا المقدسة.

في كل يوم له جلد لا يشبه جلده القديم. فيوما مع المصالحة ويوما ضدها، مرة مع الدستور ومرة يلعن أبَ الدستور، في ذات صباح ديمقراطي وفي الليل طاغية وجزار.

بدون لف أو دوران، إن العملية السياسية التي يقدسها المالكي ورفاقه، سواء كانوا في السلطة أو في معارضتها، والتي لا يتحملون المطالبة بإسقاطها، ولو بالكلام، عملية ٌ فاشلة بامتياز. بل هي أصل المشكلة، بل هي المشكلة الحقيقية الوحيدة في حياة العراقيين اليوم، وفي حياة أجيالهم القادمة كذلك. فهي صانعة جميع المصائب والمآسي والمآتم والحرائق التي ذاق مرارتها كل شارع في كل مدينة وقرية من هذا الوطن السليب.

إبراهيم الزبيدي