استذكارات أسى في جلسة فرح

لا تنس الموت فإنه لن ينساك

أربعة من الزملاء، جمعهم نادي الصيد العراقي عقب الانتهاء من محاضرة عن الصحافة العراقية القيتها مشاركة مع الزميل الكاتب عكاب سالم الطاهر، حضرها جمهور من متابعي الشأن الاعلامي والثقافي، وعندما يلتئم شمل من فرقتهم وباعدتهم شؤون الحياة، لا بد ان تكون الذكريات سيدة الموقف، وبدلاً من الفرح في مثل هذا الجو، خيم وجوم انساني على الزملاء الاربعة دون سابق انذار، مبعثه اكتشاف ان القاسم المشترك لمن جاء ذكرهم في اللقاء منتقلون الى رحاب الخلد، وعند ذكر اسم اي شخص، كان المتكلم، يعقبه بعبارة يرحمه الله.

كان الأمر في الوهلة الاولى عاديا، لكن عندما تعمق حديث الذكريات وطال اسماء كثيرة من رموزنا الثقافية والفنية اكتشف الحضور، فقدان الكثير من أقمارنا الابداعية … اعداد كبيرة ذوت، وأصبح ذكرها يقترن بعبارة رحمه الله.

وها هي حديقة الثقافة العراقية تشكو الجدب، مبدعون فنوّا لكنهم خلّدوا، ماتوا غير انهم احياء بتراثهم وابداعهم، والمبدع انسان عبد يحتضن قلبا حرا، وزمنيّ حاويا الأبدية. إنها جدلية الموت وفلسفته، فبالموت تكون الحياة.. وتأخذ شكلها الذي نحسه ونحياه.. لأن ما نحسه ونحياه هو المحصلة بين القوتين معاً: الوجود والعدم.. وهما يتناوبان الإنسان شداً وجذباً، لكننا مع نظرتنا الواقعية لتلك الجدلية، نُصاب بالدهشة عند سماعنا ان فلانا توفاه الله… الأمر مرعب لا محال، ولا بد يوما ان يطرق بابنا هذا الزائر القاسي.

نازك الملائكة

وكلما رحلت بنا السنون في رحلة العمر, بدت لنا من غائبات الأمور التي أقصيت عنا بقصد خبيث أو لإهمال ماجن, ما يعيد شحن الذاكرة وتتولى النفس عديدا من مساءلاتها، تبحث عن مرد أو مخرج أو تفسير لما يلقى علينا الآن من قمامات الزمن.. وهكذا الدنيا، رواح ومجيء، صعود ونكوص، ألق وذبول. وعندما تغلق ابواب السعادة امامنا، قد تفتح ابواب اخرى، لكننا لا نشعر بها، لأننا نمضي وقتاً طويلاً في الحسرة على الابواب المغلقة، ناسين ان الباب المغلق الأكبر.. هو الموت، فعلام هذا السعي وراء سراب الحياة.

وبالعودة الى لقاء الود مع زملائي، حاول الجميع تغيير مجرى الحديث والذكريات الى واقعنا الراهن، وقلب صفحة الحسرة على من فقدناهم، لكن الموضوع بقى جاثماً في العقل الباطن، فأينما أدار المجتمعون رؤوسهم في قاعة نادي الصيد، وجدوا اسماء مثبتة على زواياها بخط جميل، هي: محمد مهدي الجواهري، بدر شاكر السياب، عبدالوهاب البياتي، نزار قباني، نازك الملائكة وغيرهم من المبدعين الذين وضعت اسماؤهم تكريما لعطاءاتهم، فتحول الحديث الى سجايا الشعراء الافذاذ الموتى الذين نُقشت أسماؤهم امامنا.

من المؤكد ان بعض من توفاهم الله، يبقى الحزن عليهم خالعاً للقلوب، وأكثر الذين جاء ذكرهم صدفة في هذا اللقاء، نحس بهم، ونستشعرهم، وكأننا رافضون فكرة موتهم… بل لا تزال اصواتهم بيننا، واضحة قوية لكننا سرعان ما نضع اصبعنا على الواقع، حين تتلاشى تلك الاصوات وتذوي مع الريح، تبدأ عيوننا بذرف الدموع بين ذلك التلاشي، وننصرف عن التذكر الى الدمعة، وعن الذكريات الى قطرات من الحزن لتكون بحيرة من جزع كبير.. وتلك مشيئة الخالق العظيم.

في جدلية الموت تبرز حقيقة الحقائق، وهي السؤال الازلي من الذي يسبقك اذا كنت تجري وحدك… نعم، الانسان هو صنو الواقع، لكن البعض لا يريد ان يصدق ان الحياة ومضة، وان الإعجاب المبالغ فيه بالنفس عند المرء هو وليد الجهل.

ويبقى المثل التركي شامخا على بوابة الحياة، وهذا المثل يقول أيها الإنسان: "لا تنس الموت فإنه لن ينساك".

نزار قباني
نعم، لقد علمني أهلي الكلام، لكن الناس علموني الصمت، ففي الصمت نتأمل عظمة الاشياء، وفي الكلام ندخل جلبة الحياة، لـتأكيد الذات، والامران مطلوبان.. مثلما الموت والحياة.

لقد بقيت عبارة الله يرحمه مجللة، حاضرة في قاعة نادي الصيد العراقي تكمل احاديث الحضور.. ورحم الله الجميع.