العراق... الإمارة ولو على حجارة!

تشهد محافظة الأنبار تظاهرات احتجاجية منذ أسبوع ويزيد، بالتزامن مع الموصل وصلاح الدين؛ ومن (فضل) الأميركان أنهم أطلقوا تسمية «المثلث السني» على تلك المناطق العراقية وما بينها؛ من دون أن يُنسى فضلهم في هدم الدولة وتركها في «حيص بيص»، على أمل بالديمقراطية، لكن النتيجة لم يحصل المثلث السني ولا المربع الشيعي على المرجو منها، بل يمكن حصر هذا الفضل على من تمنى: «يا حبذا الإمارة ولو على حجارة»، وهو مثل أطلقه أهل البصرة على من كثرت أمواله وعُدلت أحواله من توليه بناء دار الإمارة، وتوسعة المسجد وفرشه بالحصاة في الزمن الأموي (الحموي، معجم البلدان).

رُفعت شعارات طائفية، وهتافات تُشم منها رائحة الوعيد بالانتقام، مع أن الأنبار وغيرها من محافظات العراق على موعد مع الاحتجاج، فالسليمانية، وهي الآمنة والطاعمة شهدت مثل ذلك، فكيف لا تحتج الأنبار أو البصرة! لكن بدت الصورة مشوهة عندما جرت المبارزة بين «الجيش السوري الحر»، و«الحرس الثوري الإيراني»، فمالنا وهذان الجيشان، وكيف تحولت الأنبار وهي الجادة والحانية على وحدة العراق إلى شعار الأقلمة، وأن بغداد الحكومة، لا المدينة، أرادت كسبها ضد الإقليم بتفعيل نبض العروبة فيها؟!

هنا تأتي الأسئلة، كي نصل إلى أن المستفيد من هذه الشعارات هو الذي يقال بحقه «يا حبذا الإمارة ولو على حجارة»؛ فلا يهم عند السياسيين أن يستحيل العراق إلى أكوام أحجار إذا ضُمن لهم توزيع الإمارة. كيف أفاق العراقيون على صباح وجدوا أنفسهم فيه غرباء عن بعضهم البعض، وأرضهم غدت أحجاراً يُنحرون عليها يومياً، بالإرهاب المحسوب على الأنبار والميليشيات المحسوبة على البصرة والناصرية. كم قتل الإرهابيون من المثلث السني؟ وهل عُدت الأرواح التي زُهقت في المجازر الجماعية هناك؟ وهل عُدت الأرواح التي أزهقتها الميليشيات بالمربع الشيعي؟ إذا غلب الهزل على الجد، وصارت السياسة مجرد أضاحيك، يُجوَّزُ لنا تقسيم البلاد إلى أشكال هندسية.

للأسف أعطت تلك الشعارات الطائفية للسلطات داخل بغداد أن تحتمي بالطائفة؛ فتتولى هي التظاهر وتحشُد الجموع التي من المفترض أن تتوجه ضدها، فثمان سنوات والبلاد من سيئ إلى أسوأ، والرئاسة بيد «حزب الدعوة» وهو القائم على أساس طائفي، وفي تلك الديار يقابله «الإخوان المسلمون» وهم حزب طائفي أيضاً، المختلفان عن بقية الجماعات لأنهما مبنيان على أيديولوجيا إقصاء الآخر طائفياً، ولهما تاريخ فيها، وإذا صار «الدعوة» نواة التكتل الشيعي، صار «الإخوان» نواة التكتل السني في الانتخابات الأولى.

فبدلا من مطالبة الحشود بأموالهم المنهوبة ويحتجون على أحوالهم المتردية يقف رؤساء الحكومات المحلية؛ وهم من حزب رئاسة الوزراء، يخطبون بالناس، والغاية هي كسر الاحتجاجات التي قد تتفجر بالوسط والجنوب. فالحشود إذا تحشدت وانطلقت لا تفرقها حملة عشائر إسناد ولا سلاح ميليشيا خاصة. سيفور التنور ولا من سفينة تنقذ السلطة منه، لأنها أثبتت فشلها، وصار لا يهمها سوى «الإمارة ولو على حجارة».

دعونا نناقش تداعيات الأزمة: جرت الانتخابات في مارس عام 2010، وسلم الجميع، بعد أخذ ورد، بالنتائج، فحصلت «العراقية» على 91 مقعداً، و«دولة القانون»، قائمة المالكي، على 89 مقعداً. وكان الحل الأوفق أن تُكلف العراقية برئاسة الوزراء، وفي حال فشلها تأتي القائمة التي بعدها. إلا أن تسييس القضاء أدخل البلاد في أزمة استمرت عاماً ورئيس الوزراء لا يقبل بحكومة تصريف أعمال، ولا يخضع للأمر الواقع، وأخذ يتحدث بقوة السلطة القضائية وهي في الحقيقة سلطته!

طرحت حلول، منها أن تكون الوزارة لـ«دولة القانون» نصف المدة ولـ«العراقية» النصف؛ ولما فشل جاء حل آخر، وهو أن يؤسس المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية ويتبوأ رئاسته علاوي، وبنود أُخر لصالح الوضع السياسي، وصار الاتفاق في مؤتمر أربيل وبضمانة رئيس الإقليم، وكان هذا الحل موفقاً، لكن بعد التوقيع، وعقد البرلمان جلسته الأولى كي يصادق على المناصب ومنها هذا المجلس، وإذا برئيس الوزراء يجدها فرصة للنكث بالوعد، وكأن الأمر مغالبة، والعهود وقعت بماء لا بشرف الكلمة ودق الصُّدور.

إن الكلام على بعثية وسُنية «العِراقية» ليس من ورائه سوى التأزيم المتصاعد؛ وإلا فالبعثيون منتشرون في مكتب رئاسة الوزراء والقيادة العامة. أقول: هل في تهميش علاوي وإقصائه مصلحة للوضع الحالي، والرجل أتى شخصياً بأصوات كافية للمراضاة، وقائمته حصدت الأكثر من المقاعد، فلماذا هذا التهميش؟! أخطر ما أخذ يمارسه المالكي هو محاولات تشتيت القائمة العراقية، التي كان من الممكن أن تلعب دوراً كبيراً في تصفية الأجواء مع المحيط الإقليمي والقوى الداخلية النافرة، وذلك بتفعيل المصالحة الوطنية الصحيحة، وبالتالي سيادة الأمن. أما أن تُقصى لأنها «بعثية» أو «سنية»، فهذا ازدراء بناخبيها.

لم يكن نوري المالكي ولا سواه أكثر من دور علاوي في السعي لإسقاط النظام؛ والرجل تعرض لمحاولات اغتيال نجا منها بأعجوبة، وإذا لم تُرد له رئاسة مجلس الوزراء فلا يُهمش ويُقصى، وتُستخدم كل الحيل لإبعاده، حتى أصبح اللعب مكشوفاً بتمزيق قائمته. لا أقول إن المالكي رجيم وعلاوي ملاك، لكن تحسب للأخير ميزة، قد تكون نادرة اليوم بين أهل السِّياسة، وهي خلوه من عقدة التدين الأيديولوجي وبالتالي من الطائفية، والبرلمان موجود والشعب موجود إذا تخطى حدوده.

أرى في سياسة الإقصاء تذكير بأساليب النظام السابق، مع اختلاف الدرجة، عندما كان لا يلتزم باتفاق، وأن القرب والبعد منه محسوب بالحفاظ على السلطة الشخصية. بلا ريب هكذا ظهر الأمر. نعم، إن إقصاء العراقية والعمل على تفتيتها له عواقب وخيمة على البلاد، فهي التي بدأت تجمع الشمل، ولو أُعطيت فرصتها لتطورت أكثر، ستقولون فلان قاتل وفلان كان بعثياً، ولنا أن نحسب للطرف الآخر كم معه من البعثيين المتنفذين، وكم يتحمل من الدماء والفساد في الثروة؟!

إن سياسة «يا حبذا الإمارة ولو على حجارة» تنفذ حالياً بالعراق وبقوة واندفاع، طبعاً لا يتحقق هذا إلا برفع الشعار الطائفي، وها هو مرفوع على سارية شاهقة في كبد السماء. مازال أمامنا وقت، ولعل التطلعات لمثل تلك الإمارة لا تتحقق. «فلا تَحكم بأول ما تراه/ فأول طالع فجر كذوب» (تاريخ نجد).

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com