الأطفال المشردون يسقطون قناع 'النفاق الاجتماعي' لتونس

الوجه الخفي للمجتمع التونسي

تونس – تجلس مريم ذات العشر سنوات بلباسها الرث في ممر تحت الأرض يؤدي إلى محطة القطارات في ساحة برشلونة بالعاصمة التونسية تبيع بعض مواد التجميل البسيطة المهربة فيما يجلس قبالتها أخوها رمزي ذو الخمس عشرة سنة وهو ممسك بين أصابعه الغضة سيجارته ويبيع بعض أنواع السجائر المهربة.

ومريم ورمزي وجهان مألوفان بالنسبة إلى أغلب المسافرين القادمين صباحا من المدن الجنوبية ويعبرون الممر صباحا باتجاه تونس العاصمة أو المتوجهين مساء لتلك المدن مثل الزهراء ورادس ومقرين.

ويتوقف بعض المارة من الرجال والشبان صباحا أمام رمزي ليتزودوا بالسجائر التي يوفرها لهم بأسعار منخفضة مقارنة بأسعار الأكشاك فيما تتوقف بعض الفتيات مساء أمام مريم لتقتني بعض مواد التجميل التي لا تحمل أية علامة.

يتقاسم الأخ والأخت ركنا من ممر يعبره يوميا آلاف المسافرين مثلما يتقاسمان فقرهما وهمومهما في مشهد مأساوي يؤشر على ظاهرة ما انفكت تفتك بآلاف الأطفال في مجتمع تقطعت أوصاله الاجتماعية وتفككت أطره الأسرية.

ومريم ورمزي ليسا حالة شاذة في المجتمع التونسي بل هما عينة تؤشر على مدى خطورة انتشار ظاهرة أطفال الشوارع الذين دفعت بهم قسوة الحياة والفقر المدقع إلى الشارع والساحات العمومية ليقتاتوا من مهن وضيعة لا تدر سوى بعض الدنانير لمساعدة عائلاتهم على مجابهة تكاليف المعيشة التي يشتكي منها الموظفون والأجراء فما بالك بالفقراء.

وتنحدر مريم ورمزي من عائلة فقيرة تسكن في حي التضامن الشعبي شمال غرب العاصمة تونس الذي يعد أكثر من 500 ألف ساكن نزحوا في بداية الثمانينات من القرن الماضي من أرياف جهات الشمال الغربي الفقيرة وفي مقدمتها جهة سليانة التي تصل نسبة الفقر فيها إلى أكثر من 50 بالمئة.

ويقتات أب الطفلين من عمل غير منتظم في حظائر البناء فيما تعمل الأم بصفة متقطعة كمعينة منزلية في الأحياء الراقية مثل "المنزه" و"النصر" وغيرهما.

ولا تبدو ظاهرة أطفال الشوارع جديدة عن المجتمع التونسي ولكنها أخذت خلال السنوات الأخيرة نسقا تصاعديا أصبح يؤلم ويؤرق التونسيين والخبراء ونشطاء حقوق الإنسان.

وبرزت ظاهرة أطفال الشوارع في تونس منذ السبعينات من القرن الماضي لما تعرض المجتمع إلى عملية تحديث قسرية قادتها الدولة وأدت إلى تفكيك الأطر الاجتماعية التقليدية مثل القبيلة والعائلة الموسعة والانخراط في عملية بناء مجتمع جديد يتأسس على مفهوم الأسرة المصغرة.

وخلال تلك الفترة اضطر آلاف التونسيين الريفيين إلى النزوح إلى تونس العاصمة ليستقروا في أحياء قصديرية مثل حي "الجبل الأحمر" و"الملاسين".

وكان الأطفال هم الضحية الأولى للتداعيات السلبية لمشروع إعادة بناء تركيبة المجتمع حيث قدر عدد أطفال الشوارع في تلك الفترة بحوالي 5000 طفل تحولوا لاحقا إلى مجرمين حتى أنهم كانوا "حاكمين بأمرهم" في أحيائهم، ولا يزال التونسيون يذكرون جيدا بعض الأسماء وفي مقدمتهم شخص إسمه علي شورب كان رمزا لما يسمى في تونس بـ"الباندي" الذي استعصى ترويضه على قوات الأمن آنذاك.

غير أن السنوات الأخيرة وما رافقها من تحولات اقتصادية واجتماعية جعلت من أطفال الشوارع ظاهرة بأتم معنى الكلمة استقطبت اهتمام المختصين في العلوم الاجتماعية والنفسية وكذلك نشطاء حقوق الإنسان.

وتقول الأخصائية في العلوم الاجتماعية والأستاذة بالجامعة التونسية رشيدة بن عمار"أطفال الشوارع في تونس تحولوا إلى ظاهرة اجتماعية، لا يمكن التعامل مع هذه الفئة على أنهم مجرد أطفال مشردين ومهمشين، إن المسألة أعمق بكثير، أطفال الشوارع ظاهرة نشأت نتيجة تمزق النسيج الاجتماعي والتفكك الأسري وانتشار الفقر المدقع وفشل السياسات التنموية والاجتماعية".

وتضيف بن عمار "إن أطفال الشوارع يمثلون تعبيرة عن هشاشة تركيبة المجتمع التونسي الذي عصفت به التحولات وأدت إلى تفاوت مجحف في تقسيم الثروات، إنهم مؤشر قوي على أن المجتمع التونسي لا يتكون فقط من فئات متماسكة نسبيا وإنما يتكون أيضا من فئات هشة ومهمشة شأنهم في ذلك شأن المتسولين والمرأة الريفية والعاطلين".

ويتطابق تحليل الخبراء مع شهادات أطفال الشوارع أنفسهم الذين لا يجدون حرجا في التحدث عن أوضاعهم الاجتماعية.

يقول بائع السجائر رمزي "نزحت عائلتي من ريف محافظة سليانة إلى حي التضامن عام 1999، كان عمري يومها حوالي سنتين، بعد أربع سنوات دخلت المدرسة، كان أبي يشتغل في حظائر البناء فيما كانت أمي تعمل معينة في منازل الأثرياء، كنا فقراء جدا إذ لم يكن عمل والدي منتظما، كنت أتألم وأنا أرى أبي يبكي لأنه عاجز عن تلبية حاجياتنا لذلك قررت الانقطاع عن الدراسة حتى أساعد عائلتي".

ويضيف رمزي "انقطعت عن الدراسة في الصف الرابع وعمري وقتها عشر سنوات أما أختي مريم فقد انقطعت عن الدراسة منذ سنتين أي منذ الثورة".

ويمثل الانقطاع المبكر عن الدراسة أحد أهم أسباب انتشار ظاهرة أطفال الشوارع إذ ينقطع سنويا أكثر من 80 ألف تلميذ في بلد كثيرا ما راهن على التعليم لتحديث المجتمع.

وينحدر 95 بالمئة من المنقطعين عن الدراسة من العائلات الفقيرة التي تقطن في الأحياء الشعبية والجهات الداخلية المحرومة حيث تتراوح نسبة الفقر بين 30 بالمئة و50 بالمئة.

وتقدر وزارة الشؤون الاجتماعية عدد أطفال الشوارع بحوالي 5000 طفل غير أن هذا العدد يبدو غير دقيق إذ يقول المتخصصون في دراسة الطفولة بأن العدد يفوق 8000 طفل موزعين على مختلف جهات البلاد من بينهم 3000 طفل ينتشرون في تونس العاصمة والأحياء الشعبية المجاورة.

ويضطر أطفال الشوارع لا إلى امتهان مهن هامشية فقط مثل بيع السجائر ومسح الأحذية ومسح السيارات بل إلى التسول ونبش القمامة فيما تتلقف الكثير منهم مزالق الجريمة بعدما يحترفون السرقة وبيع المخدرات.

وأظهرت دراسة أجراها عدد من المختصين في العلوم الاجتماعية والنفسية في إطار المركز التونسي للدراسات الاجتماعية وشملت عينة تتكون من 1200 طفل سنة 2011 أن 20 بالمئة من العينة التحقوا بأطفال الشوارع بعد ثورة 14 جانفي/ يناير 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس بن علي.

وترجع الدراسة ارتفاع عدد أطفال الشوارع خلال أشهر الثورة إلى "الخضة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية" التي تعرضت إليها الفئات الهشة والمهمشة أصلا حيث تفاقمت البطالة واستفحل الفقر وازداد المهمشون تهميشا.

ويقول الباحث مهدي الماجري "لقد لاحظنا من خلال دراسة أجريناها في تونس العاصمة أن عدد أطفال الشوارع ارتفع منذ الثورة بشكل واضح نتيجة حالة الاضطراب التي شهدها المجتمع والتي أثرت بصفة مباشرة على بعض الأسر التونسية".

ويضيف الباحث "لقد بدا أطفال الفقراء خلال الثورة فئة هشة لم تتمكن من التأقلم مع التحولات التي يشهدها المجتمع ولم تتحمل ضغوطات الانفلات الاجتماعي لذلك فإن حوالي 1000 طفل التحق بأطفال الشوارع".

وأكدت الدراسة أن العوامل الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية دفعت بمئات الأطفال إلى التشرد في شوارع المدن بحثا عن عمل لمساعدة عائلاتهم.

وأجاب 80 بالمئة من الأطفال الذين شملتهم الدراسة بأنهم انقطعوا عن الدراسة والتحقوا بأطفال الشوارع نتيجة بطالة الأب والأم بعد أن توقفت المؤسسات الاقتصادية التي كانت تشغلهم عن النشاط.

ونقرأ ضمن شهادات الأطفال المستجوبين شهادة لطفل في غاية التأثير والرمزية حيث يقول "بعد سبعة أشهر من الثورة أغلق مصنع النسيج الذي كانت تشتغل فيه أمي، كان مرتب أمي هو المرتب الوحيد لعائلتنا إذ كان أبي معاقا بعد أن تعرض إلى حادث مرور، عادت أمي مساء ذات يوم وعيناها متورمتان من فرط البكاء، فجعنا، سألناها، لكنها كتمت في البداية سبب بكائها وأمام إلحاحنا أجهشت قائلة "المعمل سكر"، أي أغلق.

ويضيف الطفل الذي يبلغ من العمر 12 سنة "شعرت بالدوار وبكيت بكاء حارا، لم أنم طوال الليل، كنت أفكر، من أين سنعيش، عشت أياما أهيم في الشوارع، نسيت أنني تلميذ، لم أقرر الانقطاع عن الدراسة وإنما وجدت نفسي هكذا في الشارع أتسول حينا وأمسح بلور السيارات حينا آخر".

وفي جانب آخر قالت الدراسة إن 70 بالمئة من أطفال الشوارع يستهلكون المخدرات وأن 40 بالمئة منهم مدمنون عليها.

وأضافت أن 30 بالمئة من الأطفال الذين شملتهم العينة مشردون بالكامل ويتخذون من البناءات المهجورة ومن المقابر ومن العربات القديمة للقطارات بيوتا لقضاء الليل.

وتتوقع الدراسة أن يشهد أطفال الشوارع ارتفاعا بنسبة 10 بالمئة على الأقل مستندة في ذلك إلى الركود الاقتصادي واستفحال بطالة الآباء والأمهات إضافة إلى حالة الانفلات الاجتماعي.

وكثيرا ما يكون أطفال الشوارع عرضة للانحراف الفردي أو المنظم في إطار شبكات إجرامية ليكونوا "مشاريع مجرمين".

و تؤكد المؤشرات الصادرة عن وزارة العدل أن الجرائم المقترفة من قبل أطفال الشوارع شهدت خلال السنوات الأخيرة تزايدا خطيرا إذ تتصدر السرقة سلم الجرائم حيث تبلغ سنويا أكثر من 5150 جريمة تليها جرائم العنف التي تبلغ 4050 حالة ثم الجرائم الجنسية التي تصل إلى 2100 جريمة.

وفي غياب آليات رعاية اجتماعية كافية يمثل أطفال الشوارع أرضية خصبة لـ"مجرمين مفترضين" قد تجندهم شبكات منتشرة في المجتمع التونسي كما يمثلون "سلفيين محتملين" يسهل على الجماعات السلفية تجنيدهم مستفيدة من هشاشة أوضاعهم الاجتماعية وتركيبتهم النفسية الغضة.