الغاز الايراني مقابل الذهب التركي

تسير العلاقات الايرانية ـ الاميركية باتجاهات اكثر تعقيداً من قبل. خاصة وان التطورات الجيوبولتيكية الاخيرة التي تشهدها المنطقة، قد قادت الى تأزيم ملفات التفاعل المشترك بين الطرفين في مجالات مختلفة. وهو الامر الذي القى بظلاله على الاستراتيجيات التي اعتمدها كلا الطرفين في محاولة كل منها ادارة الازمة مع الطرف الاخر بالطريقة التي تحقق اهدافه وتحمي مصالحه على المديين القريب والبعيد معاً.

لذا نجد ان الولايات المتحدة حاولت من جانبها العمل على فرض رزمة من العقوبات الاقتصادية المتنوعة على ايران، بهدف حرمانها من استغلال قدراتها المتعددة وبالذات منها المتعلقة بالطاقة في امكانية تعزيز مكانتها في اقليمها الجغرافي، وهو ما تمخض بشكل واضح عن عملية منع بيع النفط والغاز الايراني بالدولار او اليورو لتضييق الخناق على مبيعات ايران في اسواق الطاقة العالمية. في حين عملت ايران بالمقابل على ايجاد بدائل تتيح لها كسر هذه العقوبات بطريقة ذكية عبر آلية جديدة تذكرنا بقانون النفط مقابل الغذاء الذي طُبق بين العراق والولايات المتحدة الاميركية، لكن هذه المرة في اطار صفقة محورة عنوانها الغاز مقابل الذهب مع دولة جوار مهمة لها في الشرق الاوسط وهي تركيا.

وفقاً لهذا المشروع تقوم ايران ببيع مواردها من الغاز الطبيعي بشكل خاص الى تركيا، في مقابل تحويل قيمة هذه المبيعات الى ما يعادل سعرها بالليرة التركية، ومن ثم العمل على شراء الذهب التركي بهذه العملة وتحويله الى الداخل الايراني عبر موانئ الامارات العربية المتحدة. التي تعتبر اليوم من بين الشركاء الاقتصاديين المهمين لايران خاصة وان موقعها الجغرافي المهم يتيح لها امكانية لعب مثل هذا الدور الحيوي.

فعلى الرغم من الملفات الخلافية الكثيرة التي تساهم في توتر العلاقات الايرانية ـ التركية اليوم، الا ان التدقيق في طبيعة مسار هذه العلاقات يحتم على المرء النظر اليها من زاوية اخرى قد تتيح له امكانية التعرف على بعض من خفايا الجانب الاخر غير المُركز عليه اعلاميا في هذه العلاقة.

اذ يبدو ان حتمية قلة موارد الطاقة في مقابل تصاعد الطلب عليها في تركيا، تقود الاخيرة الى الابقاء على ابواب العلاقات الودية مفتوحة بدرجة ما مع ايران. والسبب الكامن وراء ذلك يتمثل في مكانة ايران الاستراتيجية بالنسبة لاحتياجات الطاقة التركية من جهة وفي كونها سوقا مهما لمبيعات تركيا المختلفة من جهة اخرى. لذا نجد بان ايران قد جاءت بالمرتبة الثالثة بعد روسيا واوكرانيا في حجم تبادلها التجاري مع تركيا.

وقد تزايدت روابط هذه العلاقة الاقتصادية بفعل الاعتماد التركي على استيراد الطاقة من ايران حيث تصل نسبة ما يغطيه الغاز الايراني من وارداتها الى 18% والى 51% بالنسبة للنفط. وفي هذا الصدد تشير بعض الاراء الى ان 90% من الغاز الايراني يصدر الى تركيا وفقا لاتفاقية تمتد لـ 25 عاماً، حيث تستورد تركيا سنويا قرابة 10 بليون متر مكعب من الغاز الايراني، مما يجعلها تعتمد على ايران كثاني اكبر مصدر للغاز الطبيعي لها بعد روسيا.

وفي ظل هذا التنامي لتجارة الغاز الايراني، فقد ازداد حجم الصادرات التركية من الذهب مقابل الحصول على هذه الكميات من الغاز. وفي هذا الاطار اشارت البيانات الرسمية التركية حول هذه التجارة الى ان ذهباً بقيمة 2 بليون دولار قد تم ارساله الى دبي في اغسطس/اب الماضي لصالح ايران، وهو ما ساعدها على امكانية ادارة قطاعها التمويلي في مواجهة العقوبات المالية الغربية.

وقد ارتفعت هذه الصادرات من 2,7 بليون دولار قبل عام مضى الى 14,3 بليون دولار لهذا العام. في حين قامت تركيا ببيع ما قيمته 6,4 بليون دولار اميركي من الذهب في الاشهر التسع الاولى من هذا العام، وهو ما ادى الى زيادة هذه المبيعات مقارنة بالعام 2011 الذي وصلت فيه الى ما يعادل 54 مليون دولار.. لتشكل ايران بذلك 60% من وجهة الصادرات التركية هذا العام، و يليها بالمرتبة الثانية الامارات العربية المتحدة بمعدل 30%. الامر الذي يشير الى مدى اهمية هذا النوع من التبادل التجاري بين الطرفين، خاصة اذا ما علمنا بان الاتراك انفسهم يرون في ذلك امرا ضروريا يتيح لهم امكانية التغلب على الازمات الاقتصادية التي تواجهها بلادهم.

اذ يؤكد البعض على ان تجارة الذهب التركية مع ايران تساهم في تضييق العجز الاقتصادي الذي تواجهه البلاد والذي انخفض الى 2,5 بليون دولار لهذا الشهر بعد ان كان بمعدل 4,5 بليون دولار في نفس الشهر من العام الماضي. والذي جاء بفعل الصادرات المهمة لها في هذا الجانب، لذا فان تباطؤ الاخيرة غير مرغوب فيه باتفاق اغلب الاقتصاديين الاتراك.

بدأت الولايات المتحدة الاميركية بالتحسس من هذا النوع من العلاقات التي تجمع هاتين الدولتين، خاصة وانها تنظر الان الى هذه الصفقة "الغاز مقابل الذهب "على انها نوع من الالتفاف الايراني على العقوبات المفروضة عليها. وهو ما سيقود الى ارباك الجهود التي تفرضها على ايران لتضييق الخناق عليها في هذا المجال.

لذا بدا مجلس الشيوخ الاميركي مؤخرا مشاورات من اجل فرض عقوبات جديدة ستطال هذه الصيغة من اجل انهائها بشكل نهائي. وفي هذا الصدد تؤكد صحيفة وول ستريت "لقد أبدت الإدارة الأميركية انزعاجاً شديداً من مبيعات أنقرة المرتفعة من الذهب لإيران، وذلك بسبب اعتقادها أن طهران تقوم بالتهرب من العقوبات الغربية المفروضة عليها عن طريق بيع الغاز الطبيعي لتركيا مقابل ذهبها. وقد وصل الانزعاج الأميركي إلى مرحلة بدأ يهدّد فيها علاقة واشنطن مع أنقرة، ودفع بكل من الكونغرس ووزارة المالية الأميركية إلى السعي لوقف هذه التجارة ".

الا ان هذا الانزعاج الذي تعبر عنه الادارة الاميركية، لا يبدو واقعيا بالنسبة لتركيا التي لم تجد بعد البديل المناسب الذي يمكن له ان يحل محل الغاز الايراني المصدر الى اسواقها، خاصة وان الاعتماد التركي المفترض على الغاز الطبيعي من دول اسيا الوسطى والقوقاز لم يسمح لها بعد بالتخلي النهائي عن الدور الايراني، علماً بان دول هذا الاقليم تعيش هي الاخرى في ظل توترات يمكن تفجرها في اي لحظة لتحرم تركيا من ثرواتها التي تصل اليها عبر الانابيب، ولتعمل بذلك على احتمالية زيادة اعتمادها على ايران وروسيا الى حد كبير.

لذا نجد بان احد المهتمين بالشأن التركي "جراهام فولر" يؤكد على الحيرة التركية في هذا الموضوع بالقول "تشعر انقرة بانها عالقة في مأزق بين المطالب الاستراتيجية الاميركية واهمية علاقات العمل الطيبة مع ايران ".

ولعل مصداق هذا القول نجده في ردة الفعل التركية على الرغبة الاميركية في انهاء صيغة "الغاز مقابل الذهب" عبر التصريحات المتسقة التي عبر عنها وزير الطاقة التركي الذي قال "انه لا يرى ان تضارب مابين بلاده والولايات المتحدة الاميركية حول الخطط التي وضعتها الاخيرة لتوسيع العقوبات الاقتصادية على طهران، بما فيها موضوع التجارة التركية ـ الايرانية المسمى بالذهب مقابل الغاز" واضاف "انا لست مع وجهة النظر التي تقول بانه سيكون هنالك وضع سلبي خلال الفترة القادمة، بفعل الخلاف المحتمل مع الولايات المتحدة الاميركية فيما يتعلق بالغاز الطبيعي ـ النفط والتنقيب. لاننا لازلنا نجري حوارات مستمرة معها بهذا الصدد...أن مشتريات الغاز الطبيعي من إيران لا تشملها العقوبات الأميركية، ما يعني أن طهران سوف تستمر في إمداد الغاز وتحصل على المقابل من أكبر مستهلكيها له ". وفي رؤية متوازية صرح اردوغان خلال الايام الماضية عند لقاءه بالرئيس الروسي حول هذا الخصوص قائلاً "ان القضية ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لنا ولا يمكن أن نلتزم بالعقوبات. نحن الآن عند النقطة نفسها، إذ أبلغنا الاميركان باننا سنجري المقايضة اللازمة لأنه منتج استراتيجي وسنستمر في هذا الاتجاه في المستقبل".

عندما يشتد الخناق على تركيا فان الخيارات التي تتاح امامها تصبح محدودة للغاية في ظل حتمية التوزيع الجغرافي لمصادر الطاقة وفي ظل حتمية الطلب المتزايد عليها في بلاد تفتقد الى امتلاكها لمثل هذه المصادر. لذا لا تجد تركيا اي حرج في التعبير عن الامتعاض من الطموح الاميركي الاستراتيجي اذا ما اصطدم بامكانية زعزعة الاقتصاد التركي الذي يعاني من ازمة لا يمكن لحزب العدالة والتنمية اخفائها او التغلب عليها عبر التدخل في شؤون الدول الاخرى او الهروب منها باتجاه زعزعة استقرار دول الجوار.

فأوربا التي تعيش ارتدادات الازمة المالية في دولها مضافاً اليها الازمات السياسية والامنية في الدول العربية المجاورة لتركيا، تجعل من هذه الدولة مضطرة لانتهاج هذا الاسلوب في الاعتماد على ايران خلال هذه المرحلة وعدم الاذعان لدعوات انهاء صفقة الغاز مقابل الذهب. وهو ما يعطي لايران اوراق لعب جديدة في سياستها الهادئة للرد على الادوار التي تقوم بها تركيا نيابة عن الناتو وعن المصالح الاميركية في المنطقة، ولتبقى صيغة الغاز مقابل الذهب بمثابة احد اهم المداخل الاقتصادية التي تقود الى عدم انهاء العلاقة بشكل قطعي مع ايران، التي يبدو انها ستبقى الى فترة قادمة من الزمن مصدر صداع مستمر للغرب في ظل قدرتها على استثمار مواردها بشكل سياسي و اقتصادي ناجح يقود على اقل تقدير الى اجبار تركيا مثلا على التفكير عدة مرات قبل ان تُقدم على غلق ابواب الحوار والتفاهمات الاقتصادية معها بشكل نهائي، ليثبت هذا الامر دور الجغرافيا السياسية للطاقة ومكانة ايران فيه كمحدد استراتيجي مهم في لعب الدور الحاسم في تحديد مستقبل السياسات والتفاعلات الاقليمية في عموم الشرق الاوسط.

د.دياري صالح مجيد

كاتب واكاديمي عراقي

Dr.diearrysm_iraqiwriter@yahoo.com