أطفال لاجئي الزعتري: العمل مقابل الطعام

بين جحيم الوطن ومأساة اللجوء...

المفرق (الأردن) - يتذكر سامر الأيام التي كان قادراً فيها على الذهاب إلى المدرسة في سوريا، بينما يتجول بين الخيام التي في تقع مهب الريح في مخيم الزعتري للاجئين في شمال الأردن لبيع أكياس رقائق البطاطس.

وفي حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، قال سامر البالغ من العمر 12 عاماً "لقد استمتعت بوقتي عندما كنت أذهب إلى المدرسة وأقرأ كتبي المدرسية. أما هنا فعلي بيع كل ما في هذا الصندوق حتى أتمكن من الحصول على طعام".

وأكثر من نصف اللاجئين السوريين في الأردن هم دون سن الثامنة عشر. وعلى الرغم من عدم توفر إحصاءات لدى منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، فقد ذكرت المنظمة أنها لاحظت أن هناك "نزعة" لدى الأطفال السوريين للعمل في مخيم الزعتري. (وستقوم المنظمة قريباً بإجراء تقييم لقضايا حماية الأطفال في المجتمعات المضيفة بالأردن للوصول إلى فهم أفضل لهذه النزعة).

وقد تم إنشاء المخيم في شهر يوليو على مسافة 80 كيلومتراً شمال العاصمة عمّان على طول الحدود مع سوريا. ويعد المخيم الآن مقراً لما لا يقل عن 42 ألف سوري. ويحاول الأطفال هناك بيع كل شيء بدءاً من السجائر والحلوى وحتى الخضروات والملابس.

وتدرك أم سامر أهمية الدراسة لكنها تقول أن عمل سامر يساعد الأسرة على البقاء على قيد الحياة. وتقول "نريد أن نعيش. أنظر كيف نعيش في هذا المكان البائس. فكيف أرعى أطفالي عندما أكون بمفردي؟". وكان والد سامر قد لقى حتفه في النزاع المستمر في سوريا.

وتقول أم سامر البالغة من العمر 32 عاماً أنها استخدمت الأموال التي كسبها ابنها في شراء أشياء "لم توفرها وكالات الإغاثة. فهم فقط يحضرون لنا التونة المعلبة والأرز والبرغل. يحتاج أطفالي إلى تناول الخضروات والفواكه. كما نحتاج إلى ملابس شتوية وبطانيات".

وقال سامر بدران مسؤول الإعلام والاتصال في مكتب اليونيسيف في الأردن إن بعض الأطفال العاملين هم المعيلون الوحيدون لأسرهم لأن آباءهم إما ماتوا أو مازالوا في سوريا.

وأصيب ناصر أحمد أثناء النزاع في سوريا وفقد أحد ساقيه وهو يعتمد على ابنته البالغة من العمر 15 عاماً لتوفير بعض المال من عملها كعاملة نظافة في مباني المخيم.

وقال ناصر "لا أستطيع إعانة أطفالي. وهذا يفطر قلبي فعلاً أن أراهم هكذا دون طعام جيد أو ملابس. ولذلك أطلب الخضروات من خارج المخيم وأعطيها لأبنائي لكي يبيعوها".

تقاليد عتيقة

وبالنسبة لبعض اللاجئين يعتبر عمل الأطفال مجرد تقاليد عتيقة أكثر من كونه نتاجاً ثانوياً لليأس الناتج عن الصراع.

وقال أحد عمال الإغاثة الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته "أرى أطفالاً يتسكعون في المخيم وعندما أسألهم لماذا لا تذهبون إلى المدرسة؟ يقولون أنهم إما مضطرون للعمل أو أنه لن يتم تسجيلهم في المدرسة في سوريا على أية حال".

وقال خالد الذي يدير مقهى للشيشة في المخيم حيث يبيع أيضاً أبناؤه الوجبات الخفيفة "إنها ثقافتنا. نحن نعلم أبناءنا حرف معينة في وقت مبكر من العمر، عندما يبلغون عشر أعوام مثلاً".

وباستخدام النداء الخاص بإنشاء مجمع تعليمي جديد على أحدث مستوى في المخيم- أعلى جودة من العديد من المدارس الموجودة في سوريا- تقوم اليونيسيف بتشجيع الأطفال على التسجيل حتى ولو كانوا غير مسجلين في مدارس في بلدهم الأصلي سوريا.

ويوجد حوالي 3500 طالب من الصف الأول حتى الصف الحادي عشر مسجلين حالياً في المدرسة التي فتحت أبوابها في شهر نوفمبر.

وكان التسجيل أقل مما توقعه بعض عمال الإغاثة حيث استطاعت المدرسة استيعاب ألف طالب آخر على الأقل. (قبل إنشاء المجمع كان الطلاب يستخدمون الخيام كفصول دراسية).

وتقول اليونيسيف أنها تحاول نشر رسالتها بشأن أهمية التعليم من خلال لجان المخيم والأماكن الصديقة للأطفال التي تتم إدارتها من قبل منظمة إنقاذ الطفولة غير الحكومية التي تقوم أيضاً بتقديم الزي الرسمي والكتب والأقلام كحافز وستقدم قريباً فصول تقوية لمساعدة الأطفال الذين فاتهم حضور الفصول الدراسية على اللحاق بالركب.

الروتين الصحي

وقال بدران "من المهم جداً أن يعود الأطفال إلى المدارس ويواصلوا تعليمهم"، مضيفاً أن "الأطفال هم مستقبل سوريا والتعليم هو أهم ما سيملكون عندما يعودون إلى بلادهم".

وأكد أن الدراسة ستوفر أعمالاً يومية صحية جداً ليس للأطفال اللاجئين فقط ولكن لأسرهم كذلك.

وأضاف بدران أن "التعليم يعطي إحساساً بأن الحياة تسير بشكل طبيعي للأطفال وأسرهم. فعندما يعودون إلى خيامهم يكون لديهم فروض منزلية بدلاً من تركهم من دون أي عمل مما يخلق المزيد من الضغوط على أنفسهم وعلى أسرهم".

وقال إن عدد الأطفال العاملين في المخيم صغير ولكن من المحتمل أن يكون العدد أكبر في المناطق الحضرية حيث يقيم 150 ألف سوري آخر.

ويقف محمد البالغ من العمر 13 عاماً عند أحد إشارات المرور في أحد أكثر الشوارع ازدحاماً في عمّان سعياً وراء لقمة العيش.

وقال محمد "أبيع العلكة وأحياناً المياه. أبذل قصارى جهدي لمساعدة أسرتي لأن الإيجار مكلف جداً هنا".

ولكن تلك الممارسة ليست قاصرة على اللاجئين، حيث يعمل في الأردن حوالي 30 ألف طفل وخاصة في المحلات التجارية والمقاهي والمطاعم، طبقاً لما ذكرته دراسة أجريت عام 2007 من قبل منظمة العمل الدولية ودائرة الاحصاءات العامة.

ولمعاجلة المشكلة الأكبر في المجتمع الأردني تعمل اليونيسيف مع وزارة العمل ومنظمة كويست سكوب غير الحكومية لتقديم التدريب المهني للمتسربين من المدارس وإعادة دمجهم في الفصول الدراسية. وقال بدران أنه سيتم تمديد هذا البرنامج لكي يشمل السوريين كذلك.

ويمكن للسوريين المقيمين خارج المخيمات التسجيل في المدارس الأردنية مجاناً طالما أنهم مسجلين في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وتقوم اليونيسيف بدفع مصاريف الدراسة لهم بالإضافة إلى رواتب المدرسين الإضافيين وتكلفة ملحقات المدرسة.

وتخطط اليونيسيف ووزارة العمل لتدريب عمال الخطوط الأمامية في بلدة المفرق الشمالية بشأن الآثار النفسية والاجتماعية لعمل الأطفال والتشريعات التي تحظر عمل الأطفال في الأردن والفرص التعليمية المتاحة للمتسربين من الدراسة.

وسيطلب بعد ذلك من عمال الخطوط الأمامية القيام بمهام رفع الوعي داخل المجتمع بشأن أخطار عمل الأطفال.

وقال بدران "نحن نحاول تغيير طريقة التفكير والثقافة التي ترى أن على الأطفال الانخراط في العمل في سن مبكرة".