غنائم المعارضة السورية تغنيها عن الدعم الخارجي

ما مصير الغنائم بعد سقوط النظام؟

بات نجاح المعارضة السورية في الاستيلاء على مستودعات أسلحة تابعة للقوات الحكومية يقلل باطراد أهمية الجهود الغربية للحد من الإمدادات الخارجية وتجنب وقوع أسلحة متطورة في أيدي الإسلاميين المتشددين.

ولا تزال بعض الدول الغربية وخصوصا الولايات المتحدة تشعر بقلق بالغ بشأن احتمال وقوع الأسلحة في أيدي من لا يُراد لها أن تصلهم بل إن السعودية وقطر أيضا وهما أكثر الدول تحمسا لدعم المعارضة خفضتا دعمهما على ما يبدو في الأسابيع الأخيرة.

ومن الواضح أن قوى المعارضة تأمل في أن يؤدي تشكيل مجلس عسكري موحد الأسبوع الماضي وتزايد عدد الدول التي تعترف بها حكومة شرعية لسوريا إلى تجدد الدعم والحصول على إمدادات من السلاح على وجه السرعة.

لكن حتى لو لم يتحقق ذلك فاستيلاء المعارضة على عدد متزايد من القواعد من أيدي القوات الموالية للرئيس بشار الأسد يغنيها عن الحاجة إلى الدعم الخارجي. ومع ذلك يزيد الاستياء بين كثير من مقاتلي المعارضة مما يعتبرونه مزيدا من خلف الوعود.

وما زالت الأولوية القصوى بالنسبة الى الجيش السوري الحر وغيره من جماعات المعارضة المختلفة تتمثل في الحصول على أسلحة مضادة للطائرات للتصدي للقوات الجوية السورية.

وتريد المعارضة ايضا مع اطراد اعتماد النظام على القصف الجوي للمناطق التي تسيطر عليها الحصول على أنظمة إنذار مبكر وبعض الأسلحة الأخرى مثل المورتر والأسلحة المضادة للدبابات لمجابهة القوات الحكومية في الميدان.

لكن الأسلحة المهربة إلى مقاتلي المعارضة عبر الحدود التركية تقتصر حتى الآن إلى حد بعيد على الأسلحة الصغيرة مثل البنادق إيه.كيه-47 والقذائف الصاروخية وربما بضعة صواريخ أرض جو من الانواع الصغيرة.

أما الأسلحة الأثقل مثل المدافع الآلية المضادة للطائرات والتي تنصب فوق شاحنات فاستولت المعارضة على معظمها من قوات الأسد.

وزادت هذه الاسلحة صعوبة ضرب الأهداف التابعة للمعارضة باستخدام سلاح الجو وقد تكون من بين الأسباب التي دفعت القوات الحكومية إلى بدء استخدام صواريخ من نوع سكود في ضرب مناطق المعارضة وعدم المخاطرة بمقاتلاتها وطائراتها الهليكوبتر.

وقال ديفيد هارتويل وهو مسؤول سابق في وزارة الدفاع البريطانية ويعمل حاليا محللا لشؤون الشرق الأوسط في مؤسسة آي.اتش.إس جينز "يبدو أنهم يزدادون فعالية بشكل كبير... فقد استولوا على قاعدة عسكرية على مشارف حلب منحتهم الكثير على ما يبدو. من الواضح أن هناك أسلحة أجنبية وصلت إليهم ولكنها محدودة للغاية".

واتسمت عمليات شحن السلاح الى المعارضة السورية حتى الان بالفوضى والعشوائية. إذ يعقد مسؤولون بالمخابرات والقوات الخاصة من العديد من البلدان وأثرياء من الخليج يعملون مستقلين على ما يبدو اتفاقات مع نطاق من الجماعات الصغيرة لامدادها بما يجود به الممولون.

ويقول مطلعون على سير هذه العملية إن إعلان المجلس العسكري الموحد الاسبوع الماضي في قطر جاء في إطار استراتيجية ترمي الى وضع نهاية لهذه العملية القائمة بحكم الواقع وإتاحة قدر أكبر من المحاسبة.

لكن تحقق ذلك فعليا مسألة أخرى.

فبرغم أن المجلس العسكري تعمد استبعاد اثنتين من جماعات المعارضة الأكثر تشددا وإحداهما جبهة النصرة التي أدرجتها واشنطن أخيرا في قائمتها الخاصة بالجماعات الإرهابية العالمية ما زالت الهيمنة فيه لعناصر إسلامية بعضها يثير قلق الولايات المتحدة البالغ.

وعلى الرغم من نشر صواريخ باتريوت لتهدئة مخاوف تركيا بشأن احتمال التعرض لهجمات صاروخية سورية فلا تزال الولايات المتحدة على وجه الخصوص حريصة كل الحرص على تجنب زلل قدميها الى عمق أكبر.

ويبدو القادة السياسيون في بريطانيا وفرنسا أكثر تحمسا إلى حد ما لزيادة مشاركتهم لكن لن يتخذ أي من البلدين أي إجراء مهم دون واشنطن.

وأثار الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في وقت سابق هذا العام احتمال تقديم دعم في مجال الدفاع الجوي إلى "المناطق المحررة". لكن لم يحدث شيء من ذلك حتى الآن وقالت فرنسا في اجتماع مجموعة "أصدقاء سوريا" الاسبوع الماضي إنها لن ترسل أي أسلحة في الوقت الراهن.

وشاركت أجهزة مخابرات غربية وخليجية في تشكيل المجلس العسكري الأسبوع الماضي. غير أن التركيز الرئيسي لأجهزة المخابرات والقوات الخاصة الغربية على طول الحدود التركية ما زال منصبا على محاولة تعقب شحنات الأسلحة وإبلاغ السعوديين والقطريين وغيرهم بالجماعات التي ترى واشنطن أنه يجب تجنبها.

ويقول مسؤولون إن من شبه المؤكد أن ذلك أيضا لم يكن كافيا لمنع ذهاب بعض الأسلحة على الأقل إلى جماعات لا تريد القوى الغربية تسليحها. ويخشى هؤلاء المسؤولون أن يبدو من أولئك المعارضين مع الوقت ما يخالف صورتهم الحالية كقوى يمكن الاعتماد عليها فيما يبدو.

لكن خطر خروج أسلحة من سوريا في الأجل القصير ربما يكون مبالغا فيه إلى حد ما. فحتى الجهاديين الأجانب الذين يفدون إلى سوريا يركزون في المقام الأول على محاربة قوات الأسد فيما يبدو دون حماس يذكر لاقتطاع جانب من المجهود الحربي والموارد من المعركة هناك لاستهداف الغرب.

ويقول نايغل إنكستر وهو نائب سابق لرئيس جهاز المخابرات البريطاني ويرأس الآن وحدة المخاطر السياسية في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن "يكمن القلق في أن يحدث ذلك في وقت لاحق".

وأضاف أنه يحتمل أن تكون قطر قد أرسلت أعدادا صغيرة من صواريخ الدفاع الجوي بالفعل إلى المعارضة في سوريا رغم أن التحدي الأساسي يتمثل في تعقب هذه الأسلحة الصغيرة نسبيا وتحديد مواقعها وما استخدمت فيه.

وتابع "ذلك يتطلب على الارجح وجود قوات قطرية خاصة داخل سوريا".

وعملت القوات الخاصة القطرية بشكل مكثف على الارض في ليبيا حيث كانت تقوم بشحن امدادات عسكرية إلى البلاد برا من السودان واسقاطها من الجو بواسطة طائرات فرنسية واخرى تابعة لحلف شمال الاطلسي. وعملت هذه القوات عن كثب مع أجهزة المخابرات التابعة للولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى.

ونشرت دول غربية عشرات الافراد او اكثر على الارض في ليبيا في المراحل الاخيرة لتلك الحرب. لكنها تحجم فيما يبدو عن العمل في الاراضي السورية.

وقال مصدر امني أجنبي في قطر ان خيار ارسال قوات متخصصة الى سوريا نوقش على مدى اشهر لكن ليس واضحا ما اذا كان لدى القوات القطرية القدرة على العمل بمفردها.

واضاف "هناك احساس لدى بعض القوى الاوروبية بأن العملية تسودها فوضى تامة وان هذا خطأ القطريين. القطريون شعروا بان كثيرا من الناس يريدون تغييرا جذريا فيما يتعلق بالطريقة التي يعالج بها (القطريون) عمليات نقل الاسلحة".

ولا يبدي الجميع انتقادات مماثلة. فقد ابلغ مصدر امني غربي آخر بان قطر لها تأثير ايجابي لاسباب من بينها استعدادها لقطع الدعم عن الجماعات التي يعتبرها حلفاؤها بالغة الخطورة.

ولا شك أن بعض انواع الاسلحة تبعث القوى الاجنبية على القلق اكثر من غيرها. فبينما قد يكون الصاروخ أرض جو من نوع ستينجر الذي يحمل باليد سهل التهريب نسبيا عبر الحدود يصعب إخفاء مدفع مضاد للطائرات منصوب على شاحنة أو على حد قول مسؤول سابق بالمخابرات "نصبه أصعب كثيرا في (مطار) لا غارديا (بنيويورك)".

غير ان العنصر الحاسم ربما يتمثل في انه يتعين على القوى الاجنبية أن تسلم باحتمال أن قدرتها على التأثير على الاحداث على الارض تتراجع بسرعة.

ويقول البعض إن محاولة إدراج بعض الجماعات في القوائم السوداء باعتبارها جهادية أكثر مما ينبغي قد تكون لها نتائج معاكسة في نهاية المطاف.

وتقول منى يعقوبيان وهي مسؤولة سابقة في وزارة الخارجية الأميركية وتعمل حاليا خبيرة في شؤون سوريا في مركز ستيمسون بواشنطن "يكتسب الجهاديون مزيدا من النفوذ على الأرض سواء سلحت الولايات المتحدة المعارضين أو لم تفعل".

وأضافت "يعتبر مقاتلو جبهة النصرة من بين أكثر مقاتلي المعارضة فعالية... وهم يكتسبون شرعية متزايدة على ما يبدو".

ويرى من يعارضون التدخل في سوريا في الولايات المتحدة وغيرها أن هذا يعتبر في حد ذاته اثباتا لصحة قرار عدم تسليح المعارضة بشكل مباشر.

لكن آخرين يقولون إن هذا القرار ترك الباب مفتوحا لآخرين وإن أفضل سبيل لتقليص نفوذ الإسلاميين كان هو أن تتولى واشنطن منذ البداية زمام القيادة في إمداد المعارضة بالسلاح.

ويقول جوزيف هوليداي ضابط المخابرات السابق بالجيش الامريكي والذي يعمل الان خبيرا في الشؤون السورية في معهد دراسات الحرب "انها نتيجة مباشرة لامتناعنا عن زيادة مشاركتنا. كنا نعرض عليهم امدادات غير مميتة - اجهزة لاسلكي وسترات واقية من الرصاص - لكن هذا لم يكن حقا ما يطلبونه".