مثقفون مصريون: مستقبل الثقافة حالك الظلام (1-2)

محمد عبدالهادي

الخطابات التكفيرية الصارخة من قيادات وشيوخ جماعات وتيارات الإسلام السياسي على منابر المساجد والجوامع والزوايا وعلى شاشات الفضائيات، والتي لا تهدأ ليل نهار ضد الفنانين والمبدعين والمثقفين والمفكرين، تشكل نذير شؤم على الثقافة المصرية إبداعا وفكرا وفنا، خاصة أن الدستور الذي يجري الاستفتاء عليه سوف يمكنهم في حال تمريره من قمع وسلب الحريات جميعها وفي مقدمتها حرية التعبير، إذ يسمح بتكوين جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على غرار السعودية، ويدفع بهيئة إسلامية تتبع الأزهر بمراقبة ومراجعة كافة القوانين والتشريعات بما يتفق مع الشريعة الإسلامية واجتهادات فقهائها، فكيف يرى الكتاب والمثقفون مستقبل مصر الثقافة والإبداع المصريين في ظل تصاعد هذه الخطابات؟

بداية يؤكد الناشط الحقوقي والباحث في الإسلام السياسي د. سيتي شنودة أن مستقبل الثقافة والمثقفين في مصر مستقبل مظلم - بل حالك الظلام - في ظل حكم جماعة الإخوان المسلمين وفى ظل ميليشياتهم التي تقتل وتهدد المثقفين والصحفيين والإعلاميين وتحاصر مدينة الإنتاج الإعلامي منذ أسبوع.

• ثقافة الفتنة

ويرى الشاعر والصحفي جمال القصاص أنه وسط تهديدات القتل والسحل لرموزها من الكتاب والمفكرين والمبدعين، وطوفان السباب والتهديد، ودستور ملفق لمصلحة فصيل سياسي معين، ودعوات لتكميم الأفواه وسلب الحريات من قبل جماعات الإسلام السياسي، وقبل كل شيء ثورة عظيمة اختطفت على مرأى ومسمع من الجميع، لا يمكن الحديث عن ثقافة بالمعنى الحقيقي في مصر الآن، الثقافة مؤجلة ومعطلة ومختطفة بفعل فاعل، وقصارى جهدها أن تقف في خندق الثوار والقوى السياسية المعارضة من أجل منع هيمنة جماعة الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية المتشددة على مفاصل الدولة.

سيتي شنوده
ويضيف "لذلك أتصور أن لحظة الثقافة المصرية الراهنة هي لحظة فارقة واستثنائية بامتياز، وأن المسئولية الأساسية، بل الواجب الوطني أمام الخطاب الثقافي المصري يحتم عليه حاليا أن يتضافر مع الخطاب السياسي الرافض لهذا القمع الإخواني، وكشف أقنعته وتنحيته عن سلطة الحكم في البلاد، كما يجب أن يتوحد الخطاب الثقافي في جبهة واحدة تضم النقابات والاتحادات والجمعيات الثقافية والفنية واتحاد الكتاب وكل مفردات العمل الثقافي، حتى يمكن أن تكون هذه الجبهة ورقة ضغط في موازين القوى والصراع في المجتمع.. وأتصور أيضا أن مؤتمرا حاشدا للمثقفين والمبدعين يتم التنسيق له بشكل جيد تحت شعار "ثقافة الثورة"، على سبيل المثال، من شأنه أن يعضد دور المعارضة المصرية ويخلق وعيا تلقائيا بأهمية المقوم الثقافي وتضافره مع كل المقومات الأخرى الفاعلة في المشهد المصري بشكل عام".

ويوضح القصاص أنه على المستوي التقني أتصور أن تعزيز ثقافة وإبداع الشارع، وإزكاء روح التحريض والرفض في النص الأدبي والفني، سيفتح لغة الحوار بشكل فعال بين المثقفين أنفسهم وبينهم وبين قوى المجتمع، كما سيفتح نوافذ جديدة للعمل المشترك. وقد نجحت رسوم الجرافيتي على جدران الشوارع والميادين في القاهرة والكثير من المحافظات أن تكون سلاحا فنيا وثوريا في يد شباب الثورة، ضد بطش وقمع الأجهزة الأمنية. ومن ثم على المثقفين وتحت مظلة هذه اللحظة الاستثنائية أن ينهوا عزلتهم، وأن يكثفوا من لقاءاتهم وتجمعاتهم، وأن يتخلوا عن نخبويتهم، وأن يدركوا أن لعبة التوازن الفجة خاصة في علاقتهم بالسلطة قد انتهت إلى غير رجعة. ثم على المثقفين أن يدركوا قبل كل شيء أن مستقبل الثقافة مرهون بهم أولا وأخيرا، هم صناعه، وهم المسئولون عن لحظات صعوده وهبوطه، وهم ملاك بنيته التحتية، ومن واجبهم أن يدافعوا عنها، قبل أن تخترقها وتلوثها أقدام هؤلاء المتنطعين باسم الدين، ويحولوها لمؤسسات خانعة لسلطة الإخوان المسلمين، كل مهمتها تفريغ الثقافة من محتواها الإنساني النبيل ونشر الفتنة في المجتمع".

• القمع قد يشكل حافزا

ويرى الكاتب محمد عبدالهادي رئيس تحرير الأهرام السابق أن مستقبل لإبداع والثقافة في مصر سيكون زاهرا، ويقول "هى فترة مؤقتة في تاريخ مصر بحكم قراءتي له ولطبيعة مثل هذه الجماعات "الهامشية" في التاريخ الإسلامي التي تستخدم الدين غطاء لمصالح آنية /تكتيكية / ذاتية أو استعمارية.. ومثل هذه الظروف يخرج منها أفضل إبداع وفكر وثقافة، فالضغوط تولد الطاقات وتثرى الخيال وتحض على الابتكار.. مثلا ألم يكن ابن رشد ملهما حتى الآن، أين بن تيمية منه؟ مثلا أفضل أفلام في تاريخ السينما العربية والمصرية هي من إنتاج الستينيات وأفلام عاطف الطيب في الثمانينيات، المسألة هي أن هذه الظروف بقدر ما هي قمعية بقدر ما تشكل حافزا للتحايل وتنمية للملكات والإصرار والتصميم.

• لا خطر على حرية الإبداع

الكاتب والمترجم والإعلامي أشرف الصباغ يرصد الأمر ويحلله قائلا في البداية عن العملية الإبداعية نفسها، لأن ما بدأ في 25 يناير 2011 هو حالة إبداعية بالمعنى العلمي للكلمة أكثر منه تحولا في الواقع الاجتماعي والسياسي، لأن ذلك لم يحدث بعد. وبالتالي يؤكد "أن تحولات في الأشكال الأدبية والفنية، والإبداعية عموما، ستظهر قريبا. هذه التحولات النوعية قد تدفع بالإبداع المصري إلى آفاق أوسع. وربما يكون إبداع الشباب تحديدا هو طليعة هذا التحول وقمة الجبال والهضاب الإبداعية أفقيا ورأسيا. سيذوي أدب "العواجيز" بأساليبهم وطريقتهم في السرد ومنهج تفكيرهم. سيكون هناك أدب مصري له أشكال ومضامين خاصة. وهذا ليس انتقاصا من قيمة إبداع "الأجيال العتيقة فنيا"، بل هي قوانين التطور وسيرورة الحياة وقوانين الإبداع وظروفه الذاتية والموضوعية".

يسري حسان

على هذه الخلفية يرى الصباغ "إذا كان البعض يرى أن تسلل التيارات الظلامية والتكفيرية إلى السلطة يشكل خطرا على الهوية بكل عناصرها ومفرداتها، ويرى البعض الآخر أن الاعتداءات السافرة على الحريات العامة والخاصة والمدنية ستشكل عائقا أمام حرية الإبداع وخطرا على حياة المبدعين أنفسهم.. فلا ضرر ولا ضرار.. إن القلق والتوتر يسودان المجتمع المصري عموما، والنخبة الإبداعية على وجه الخصوص. ولكن مع الأسف، أنا لا اتفق إطلاقا مع هذه الآراء. فلا خطر على الهوية المصرية، ولا خطر على حرية الإبداع. قد يكون هناك خطر على حياة المبدعين.. فنجيب محفوظ وفرج فودة ونصر حامد أبو زيد أمثلة بسيطة لما يمكن أن يحدث في مواجهة آلة الشيطنة والقمع والكفر بنعمة الإبداع والجهل بأبجديات الحريات الخاصة والعامة وقمعها في آن واحد. ولكن وجود منهج تفكير العصابات والميليشيات المغطى بالدين والعادات والتقاليد لا يمكنه أن يحد أو يؤثر على انطلاق العملية الإبداعية أو يؤثر على الهوية المصرية. قد يتم تمصير الإخوان. وإذا لم يحدث ذلك فسوف يتم عزلهم تلقائيا وفق البديهيات التاريخية والاجتماعية. وهذه عملية طويلة ومعقدة تتضمن انتصارات وإخفاقات وهزائم. ولكن الحتمية التاريخية إلى جانب المقاصد الإنسانية العامة".

ويضيف "في أسوأ الأحوال، وإذا سيطرت التيارات الظلامية على المؤسسات الثقافية، فسيخلق ذلك إبداعا موازيا، ومؤسسات بديلة وموازية. ولا يمكن أن نتجاهل الطبقة الوسطى والمنظومة الإدارية المصرية. فهما كما يشكلان عائقا للإصلاحات والتطور الاجتماعي بشكلهما الحالي، يشكلان أيضا درعا أمام تغيير الهوية ومحاولات إجراء إزاحات ما فيها أو عليها. هذه العملية تحتاج إلى زمن يساوي نفس الزمن الذي تكونت فيه هذه الشرائح والمنظومات. وأعتقد أن زمن وجود التيارات التكفيرية والجهادية في السلطة أقل بكثير. بل ويمكن التأكيد ـ ليس رغبة دفينة بقدر ما هو بديهيات تاريخية وعلمية واجتماعية ـ على أن أفكار تلك التيارات والقوى قد ترحل ليس عن السلطة فقط، بل عن المجتمع المصري ككل، لأنها غريبة عنه ولا يمكن أن تنمو فيه. وما حدث كان مجرد خطأ تاريخي يمكن أن يتم تصويبه بالإصرار على المقاومة والمواجهة في كل المجالات.. لكن مجال الإبداع تحديدا ليس بحاجة إطلاقا لاستنفاد طاقته في المواجهة. فلديه مهام أخرى أهم وأخطر، ألا وهي تطوير أدوات التعبير والخطاب والتطوير الذاتي للعملية الإبداعية نفسها ولقوانينها والاستمرار والتواصل".

• ظلمات.. ظلمات

ويتفق الشاعر والصحفي يسري حسان مع الرأي السابق مؤكدا أنه ليس قلقاً بالنسبة للإبداع، ويقول "في ظني وكما علمنا التاريخ أنه يزدهر أكثر في عصور الظلمات وما نحياه الآن لا تكفيه كلمة ظلمات فالأمر تجاوز الكلمة بمراحل ربما تجاوز المسافة بين الأرض وبين السماء.. هذا ولا زلنا "على البر" كما يقولون فما بالك عندما تستقر الأمور للإخوان - إذا استقرت يعني - فالمطاردات حتمية والمصادرات حتمية والتكفير حتمي والتنكيل حتمي والانتقام حتمي وإلغاء مؤسسات الدولة الثقافية حتمي وقد بدءوا من الآن التمهيد لذلك.. أصدر وزير المالية قرارا بضرورة حصول كل مبدع يريد أن ينشر نصا في مطبوعات وزارة الثقافة أو يشارك في ندوة أو مؤتمر تنظمه الوزارة على موافقة جهة عمله أولا وهذا معناه أن كل مبدع يعمل في أي وظيفة حكومية لن يستطيع نشر عمل له أو المشاركة في أي فاعلية تقيمها وزارة الثقافة.

جميلة عمايرة
كما أصدر رئيس الوزراء قرارا بعدم إقامة أي مؤتمر ثقافي أو أدبي إلا بعد الحصول على موافقته شخصيا.. وهكذا وضحت النية مبكرا لضرب العمل الثقافي في مقتل، ولكن ورغم ذلك فإن أحدا لن يستطيع منع الكاتب من الإبداع لكنهم يستطيعون إغلاق النور عليه ليكتفي بوضع ما يكتبه فى إدراج مكتبه.. مصر داخلة على أصعب وأسوأ لحظة في تاريخها إذا فقدت القدرة على المقاومة وأظنها لن تفقدها لأن التاريخ أيضا يعلمنا ذلك.

• التكفير بدأ

ويحكي الشاعر والناقد محمد الدسوقي واقعة جرت له منذ أيام، يقول "كنت في ندوة أمس وقرأت قصيدة بعنوان - يا.. سين - وفوجئت بعاصفة من الرفض والاستهجان ووصل الأمر إلى التكفير إن لم أتراجع عن خطيئتي، وبالمناسبة كانت الندوة في مدينة شرم الشيخ! والمعني الذي أريد الإشارة إليه أن كثيرا من المتدينين أصحاب عقول متحجرة ولا علاقة لها بالعالم الذي نعيشه، والمدهش بل المؤسف أنهم يظنون أنهم أصحاب الحق والحرية والحاكمية، لدرجة أنهم يعتبرون كل من يخالفهم فاسد، إن لم يكن كافرا.. ولا أظن أن للثقافة والإبداع أي دور في حاضر أمتنا المصرية، وأزعم أنه في قابل الأيام سيكون هناك منع للصحف وربما للكتب الإبداعية الفائقة عن فهمهم وربما يقلصون ميزانية وزارة الثقافة ووزارة الإعلام، فضلا عن ملاحقة أصحاب الرأي، ولعلي أري أن مقاومة هؤلاء ستكون عصيبة نظرا لأنهم استطاعوا أن يضموا الكثير من البسطاء والجهلاء باسم الدين وهؤلاء بالذات هم المشكلة التي تواجهنا، وهم من سيصوتون لدستور الإخوان" .

• ظاهرة صوتية

وتقول القاصة والروائية جميلة عمايره " إذا استمر حكم الإخوان وهذا ما لا اعتقده، أو في أسوأ الأحوال لن يستمر طويلا، ذلك أن مصر، مصر العظيمة، مصر التاريخ والحضارة والمجد أكبر بكثير من الإخوان فهم ليسوا أكثر من ظاهرة صوتية تختبئ وراء الدين الذي هو لله فقط . في ظل فكر لا يقدس الحرية والإبداع والمبدعين الذي لا يقيدهم فكر أو رأي أو مذهب، ثم إن الإسلام السياسي أثبت فشله في أكثر من جغرافيا عربية وغير عربية، أصبح لدى الفرد وعي حاد وفكر مستنير تجاه هذا العصر الذي يقدس أفراده الحرية ولا شيء سوى الحرية والكرامة.

• الظلاميون قادمون

ويتساءل الشاعر مأمون الحجاجي الظلاميون قادمون فماذا تنتظر؟ّ ويقول "ليتهم يكتفون بما روّجوا له من حملة الدعوة لهدم الأهرامات باعتبارها من الأصنام وعدم الوقوف احتراما للسلام الوطني و.. و..، وهنا يمكننا أن نخمن ما ينتظر الإبداع والمبدعين من ألغام وفخاخ، فلا حرية ترتجى ولا عدالة اجتماعية ولا خبز ولنستقبل الأسوأ الذي ينتظرنا، ولعل دماء الأبرياء التي أريقت في محيط قصر الاتحادية تعطى نموذجا للغة الحوار التي يتعاطونها ويقومون بتبنيها، علينا التشبث بأرواحنا التي يطلبون القصاص منها وبدمائنا التي أحلّوا سفكها من خلال التصدي بكافة السبل التي تزعجهم ولعل أبرزها الإبداع".