قدر السوريين اليومي : وابل الرصاص ونقص الرغيف

من اكل اليوم لن ياكل غدا

تشتد الحاجة إلى الغذاء في بعض مناطق سوريا حيث صار الاشتباك بالأيدي أو الركض في الخطوط الأمامية للحرب الأهلية جزءا من الكفاح اليومي لضمان الحصول على رغيف الخبز.

وتشهد مدينة حلب بصورة خاصة أوضاعا مروعة حيث يقول المدنيون الذين يعانون من الاشتباكات والغارات الجوية في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضين إن الجوع بات يشكل خطرا جديدا على حياتهم في الانتفاضة المستمرة منذ 20 شهرا ضد الرئيس السوري بشار الأسد.

وقال أحمد أحد سكان منطقة صلاح الدين التي دمرتها المعارك "خرجت أمس ولم أستطع الحصول على أي خبز. ليت المشكلة كانت تقتصر فقط على نقص الغذاء - فهناك نقص كبير أيضا في الوقود اللازم لتشغيل المخابز".

وأضاف "قبل أيام قلائل نفد الوقود لدى عمال المخابز ومن ثم حاولوا بيع أجولة الطحين \'الدقيق\'".

واضاف "بدأ الناس في الاشتباك بالأيدي على الدقيق. وفي بعض الأيام يضطر مقاتلو المعارضة إلى إطلاق النار في الهواء لوقف المشادة".

ومع دنو مقاتلي المعارضة من دمشق وتأييد دول عربية وغربية لائتلاف معارض جديد تبدو سوريا على شفا مرحلة حاسمة في الصراع.

وأقر دبلوماسي بارز في روسيا وهي أحد أقرب حلفاء الأسد الخميس بأن خصوم الرئيس السوري يكسبون أرضا جديدة وربما ينتصرون.

غير أن أعمال العنف لا تزال تحصد عددا كبيرا من الأرواح حيث عادة ما يتجاوز عدد القتلى يوميا مئة قتيل وبلغ مئتين في بعض الأحيان خلال الأسابيع الماضية. ولقي ما يزيد على 40 ألف شخص حتفهم بالفعل في الصراع.

ويقول برنامج الأغذية العالمي إن ما يصل إلى مليون شخص قد يعانون من الجوع هذا الشتاء في الوقت الذي يزيد فيه تردي الأوضاع الأمنية من صعوبة الوصول إلى مناطق الصراع.

وتقول منظمة "بيبول إن نيد" التشيكية التي تعمل في شمال سوريا إن الأزمة قد تتفاقم إذا لم تستطع أي منظمة إغاثة دولية أخرى استمرار تقديم المساعدة في المنطقة.

وقال ميشال برزيدلاكي من المنظمة التشيكية إن تقديرات المنظمة تشير إلى أن مليونا أو مليونين فقط من سكان حلب الأصليين البالغ عددهم أربعة ملايين باقون على قيد الحياة.

وقال "كان الوضع سيئا عندما بدأت العمل في حلب قبل شهر ولكن لم يكن هناك مثيل للأسبوع المنصرم. رأيت الوضع يتدهور بوضوح - فهناك مزيد من الأشخاص الذين يبدو عليهم الهزال ويمكنك أن ترى الجزع باديا على وجوههم".

ومع حلول فصل الشتاء تبدو الصورة المستقبلية قاتمة في مناطق الحرب بسوريا خاصة تلك الخاضعة لسيطرة المعارضين التي يقول سكانها إن الدقيق والوقود المدعومين من الدولة لا يصلان إليهم.

وفر أكثر من 2.5 مليون شخص من منازلهم إلى مناطق أكثر أمانا داخل سوريا بينما جرى تسجيل ما يربو على نصف مليون آخرين لجأوا الى دول مجاورة.

وثمة الكثير من السوريين بلا عمل وغالبا ما يتعين عليهم المفاضلة بين شراء وقود التدفئة أو الغذاء. ويقول سكان إن بعض الأسر يقطعون الأشجار بل والأثاث للحصول على الحطب اللازم للتدفئة.

ويمكن أن تلتف طوابير الخبز حول مربعات سكنية بأكملها وتستمر لمدة ساعات. وقبل أسبوع شكل سكان مناطق يسيطر عليها المعارضون في حلب طوابير في الساعة الثانية صباحا أمام مخابز فتحت أبوابها بعد ثماني ساعات.

وقال برزيدلاكي إن هذا الأسبوع بدأ الناس الوقوف في طوابير قرب الساعة العاشرة مساء استعدادا للانتظار 12 ساعة للحصول على خبز.

وأضاف "الناس يخاطرون حتى بارواحهم - فقد رأينا أناس يركضون عبر الجبهات الأمامية سعيا للحصول على عبوة غذاء منا لأطفالهم".

ويقول برنامج الأغذية العالمي إنه اضطر إلى تقليص حجم حصصه الغذائية بسبب نقص التمويلات. ويقدر البرنامج أن 2.5 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدة ويقول إنه لم يتسن لهم الوصول سوى إلى 1.5 مليون منهم في نوفمبر/تشرين الثاني.

ويعتمد البرنامج التابع للأمم المتحدة على منظمة الهلال الأحمر العربي السوري في توزيع مساعداته فيما يقول نشطاء إنهم نادرا ما يرون المنظمة توزع مساعدات في المناطق الخاضعة لسيطرة مقاتلي المعارضة. ويقول برنامج الأغذية ومنظمة الهلال الأحمر إن العنف يحد من قدرتهما على الوصول إلى المحتاجين.

ويتهم بعض السكان المحليين المنظمة السورية المرتبطة بالحكومة بالحد من توزيع المساعدات في المناطق التي يسيطر عليها المعارضون ومساعدةالجيش في الأساس على فرض عقاب جماعي. غير أن آخرين يلقون اللوم على المعارضين الذين يقولون إن المقاتلين يهاجمون قوافل الهلال الأحمر أحيانا لارتيابهم فيها.

وقال برزيدلاكي "ثمة نحو 30 بالمئة من الأسر بمناطق المعارضين في حاجة ماسة للمساعدات الغذائية بحلب. وهناك عشرة بالمئة آخرون وصلوا إلى الحضيض بالفعل. لم يتبق لديهم شيء لبيعه من أجل شراء الغذاء".

ويقول سوريون إن الأسعار في بعض المناطق ارتفعت بنسبة تتراوح بين 300 و500 بالمئة.

وقال نشطاء في حلب إن سعر رغيف الخبز المصنوع من الدقيق المدعم بلغ الآن 75 ليرة (دولار) مقابل 15 ليرة قبل أسابيع قليلة. أما الخبز غير المدعم فقد ارتفع من 120 ليرة الأسبوع الماضي إلى أكثر من 200 ليرة حاليا. ذلك مبلغ باهظ بالنسبة للكثيرين إن لم يكن مستحيلا.

وحتى في المناطق الأكثر هدوءا التي لا تزال خاضعة لسيطرة الحكومة تزداد المؤشرات على المعاناة. فطوابير الخبز في دمشق تستمر لساعات ويغادرها الكثيرون صفر اليدين. وانتشر المتسولون في المدينة أيضا.

والواقع في مناطق مثل المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضين في مدينتي حمص وحلب أكثر كآبة.

ورغم هذه الصعوبات يقول نشطاء في شمال سوريا إن الكثير من السكان الفقراء لن يذهبوا إلى معسكرات اللاجئين على الحدود.

وأضافوا أن ظروف المعيشة في الخيام الباردة المقامة على أرض موحلة سيئة للغاية إلى حد يتعذر معه الإقامة فيها وسط طقس الشتاء الشمالي القارس. ويقول برزيدلاكي إن هناك آخرين لا يستطيعون مجرد تحمل تكلفة الذهاب بأسرهم إلى هناك.

وأضاف "السبب الوحيد في أننا لم نر الناس تموت من شدة الجوع بالفعل هو الدعم الهائل الذي يقدمه سوريون آخرون حيث يتقاسمون معهم المأكل والمأوى".