سجن ايفين والانتخابات الرئاسية في ايران

شهرة سجن ايفين الايراني لا تعادلها سوى شهرة سجن الكتراز الاميركي. لكن الفرق شاسع بين السجنين: فالثاني اقفل عام 1962 لان تكاليفه كانت ضخمة، والهدف منه لم يعد يتناسب مع مفاهيم الجريمة والعقاب، ولان موقعه سياحي من الدرجة الاولى فهو في جزيرة تطل على خليج سان فرانسيسكو من جميع الجهات. اما سجن ايفين فانه ما زال يكتظ بالسجناء وصيته اليوم اسوأ بكثير من ايام الشاه، خصوصا وان كل السجناء السياسيين والمدافعين عن حرية الرأي مروا فيه او ما زالوا مقيمين فيه.

الرئيس احمدي نجاد مُنع، بقرار من رئيس القضاء اية الله صادق لاريجاني، من زيارة سجن ايفين للاطلاع على وضع مساعده للشؤون الصحافية علي اكبر جوانكر والمشرف العام على وكالة الانباء الايرانية وعدة صخف رسمية بينها صحيفة الوفاق بالعربية. النائب العام برر القرار بقوله: "اذا كنا نفكر في مصلحة البلاد فان زيارة سجن في هذه الظروف ليست ملائمة ". هذا العذر لا يعني شيئا، لان جوانكر حكم عليه بالسجن لمدة ستة اشهر بتهمة كتابة مقال "مسيء للذوق العام " ولم يتم تحديد متى صدر المقال ولا أين. من الواضح ان كل ذلك ليس الا فصلا جديدا من فصول الصراع الدائر حول خلافة نجاد، خصوصا بعد رفض الاخير للشروط الجديدة لقبول المرشحين للرئاسة والتي اعتبرها "مخالفة للدستور"، وبعد ما وصف العمل مع اسفانديار رحيم مشائي بانها "هبة آلهية وشرف عظيم لانه من الملتزمين الحقيقيين بالثقافة المهدوية والعدالة وحب الحرية والادارة المشتركة". والمعروف انه في الوقت الذي يصف فيه خصوم نجاد مشائي برأس "تيار الفتنة" فان نجاد يعمل على ترشيحه للرئاسة فيما أصبح يعرف بنسخ عملية بوتين ومديفيف في روسيا أي ان يخلف نجاد؛ مشائي بعد اربع سنوات.

المعركة المفتوحة على الانتخابات الرئاسية ليست محصورة بنجاد وانصاره، ولا في استمرار سجن قادة الاصلاحيين وفي مقدمتهم مير حسين موسوي والشيخ كروبي، وانما تجاوزت ذلك لتطال الاعلاميين وشرائح واسعة من الناشطين في المجتمع المدني ويبقى سجن ايفين عقدة الربط والفصل في كل المشهد الايراني في ظل الوقائع التالية:

* المدون عبد الستار بهئشتي وعمره 35 عاما اعتقل وادخل سجن ايفين وكانت صحته ممتازة؛ وبعد عدة ايام اخبرت عائلته بان عليها شراء قبر له ودفنه دون اي ضجة او اعلام. لكن يبدو ان والدته التي ليس لديها ما تخسره، بعد ان خسرت ابنها، رفضت ذلك واثارت القضية مما اقتضى تدخل عدد من النواب للتحقيق في اسباب وفاته.

* نسرين سنودة المحامية المعروفة في ايران التي رافعت عن حاملة جائزة نوبل لحقوق الانسان حكم عليها بالسجن لمدة ست سنوات بتهمة الدعاية ضد النظام أضربت عن الطعام في سجن ايفين لاكثر من ستين يوما حتى سمح لابنتها بمغادرة ايران ولتخفيف القيود عن عائلتها وتحسين شروط سجنها.

* اضربت تسع نساء سجينات في ايفين عن الطعام بسبب سوء معاملتهن، علما ان التهم الموجه اليهن تتراوح بين "الاساءة الى الرئيس" و"توجيه الاهانة الى المرشد". وقد نالت بهارة هدايت عشر سنوات سجن على ذلك. اما جيلا بني يعقوب، وهي صحافية، فقد حكم عليها بالسجن لمدة سنة ومنعت من العمل الاعلامي لمدة 30 سنة فقط لانها "نشرت دعاية مغرضة ضد النظام". اما الحقيقة فهي انها طالبت بحقوق المرأة. وقد ارتفعت الضجة بعد ان رفضت 86 جامعة موجودة في ايران تسجيل الفتيات في 77 اختصاص من بينها: علوم الكومبيوتر والفيزياء النووية والادب الانكليزي والاقتصاد والهندسة والكيمياء والاستشارات القانونية. ولم تحدد الجامعات اسباب هذه القرارات التي لم تعارضها الوزارات المعنية، ولم يجد احد تفسيرا لذلك سوى محاولة جدية لتخفيف المزاحمة في سوق العمل، اذ تجاوزت نسبة البطالة اكثر من 20% من جهة، وابعاد النساء عن الحركة الشعبية، من جهة ثانية، حيث للمرأة الايرانية دورا فاعلا ومؤثرا.

* أصدر اكثر من 80 كاتبا وشاعرا بيانا جريئا جدا؛ ضد قرار وزارة الثقافة فرضت فيه الرقابة المسبقة على كل المؤلفات الادبية، ووضعت قيودا وصلت الى ان الشاعر علي صالحي امتنع عن طباعة ديوانه الجديد بعد ان حذفت الرقابة 120 صفحة منه من اصل 150 صفحة. واعتبر البيان ان قرار وزارة الثقافة "يأخذ حرية التعبير رهينة ومنع الكتاب من التفكير بحرية " بعدما وضعت الرقابة ما أسمته مفاتيح من بينها: الجسد- التقاليد- الخمرة- الرغبات الخ...

* اصدرت وزارة الثقافة قرارا الزم مختلف وكالات الانباء المحلية ذكر مصادرها وعدم استخدام ما هو متعارف عليه في الصحافة من مصطلحات مثل "مصادر موثوقة او سياسية او برلمانية". علما انه يوجد في ايران 21 وكالة محلية. من الواضح ان الهدف من هذا القرار هو الحد من تدفق المعلومات قبل الانتخابات وفي الازمات حتى يتم تمرير المرحلة حتى ولو كان القرار مخالفا للمادة الرابعة لقانون المطبوعات.

* اقفال الصحف خصوصا التي تحمل توجها اصلاحيا لاسباب واهية مثلما حدث اخيرا مع صحيفة "مغرب" لانها نشرت كاريكاتورا اعتبر مسيئا للرئيس. كما ان 23 صحيفة مهددة بالتوقف بسبب ارتفاع سعر الورق نتيجة المقاطعة الاقتصادية. وتكتمل الصورة مع منع الصحافيين من العمل والكتابة، وابرز مثل على ذلك ما يحدث مع احد ابرز الصحافيين في الشرق الاوسط والمعهم، ما شاء الله شمس الواعظين، الذي كان قد اصدر ثلاثا من انجح الصحف الايرانية، اقفلت جميعها، واجبر بعد خروجه من السجن على التزام الصمت والا اعيد الى السجن لسنوات طويلة.

الانتخابات الرئاسية في اواسط حزيران من العام القادم. ليس بالضرورة ان يكون الربيع الايراني نسخة عن الربيع العربي ولكن من الواضح ان ايران دخلت مرحلة جديدة حبلى بالاحداث والمتغيرات.

أسعد حيدر