فشل حكم الإخوان في مصر وجرأة المعارضة هما بداية طريق الصحوة

يقول أحد الإعلاميين المشهورين أن غياب دور الحكماء، وتعنت كل من الحكومة برئاسة الدكتور مرسي والمعارضة، هما ما يدفع إلى تمهيد الطريق لتدخل المؤسسة العسكرية وإعلان حالة الطوارئ في البلاد، وأن النخبة بفشلها أفسدت الحياة السياسية وأجهضت الديمقراطية الوليدة، وأن تجاوب الرئيس بإلغاء إعلانة الدستوري الأول وإستبداله بالثاني مؤشر على الكثير من المرونة، وبالتالي على جميع الأطراف العودة إلى الحوار لعدم تصعيد الموقف.

أنا واثقة من صدقه وطيبة نواياه خوفا على مصر. وأتفق معه في الحاجة إلى العودة إلى الحوار الصادق بين الجميع. ولكن وفي هذا الحوار يتطلب الصدق الإعتراف بأنه وفي القرن الحادي والعشرين لا يمكن إيجاد حلول توفيقية للدولة الدينية التي يحاولون بجهد إلباسها ثوبا مدنيا. وأتساءل لماذا تغاضى كليا عن أهم ما يختلف عليه الحكومة والمعارضة وهو بنود الدستور الملفق والغير شرعي؟ وأكبر دليل على ذلك رفض 90% من القضاة الإشراف على عملية الإستفتاء المزمعة والتي ترفض الحكومة تأجيلها؟

الأهم من هذا، هو أنه حان الوقت للإعتراف بأن الشرخ بين الحكومة والمعارضة أكبر من كل ذلك. الشرخ هو السكين التي وضعتها الحكومة في قلب الديمقراطية الوليدة. وهي نفس السكين التي تذبح الإنسان المصري الآن. وهو ما مهد له الإخوان على مدى سنوات عديدة في ظل نظام إستبدادي وغير عادل لم يضمن للإنسان المصري البسيط لا لقمة عيش ولا إحساسا بالكرامة. هذا الإنسان الذي تلقفته الأحزاب المتأسلمة وبررت عملية غسل دماغ كامل له مقابل خدمات بسيطة عجزت الحكومة عن تقديمها. عملية غسل الدماغ تلك تضمنت رفض الديمقراطية على أنها كفر وإلحاد وأن الدين وتطبيقه حتى في القرن الحادي والعشرين سيضمن له الحياة الكريمة.

الإستفتاء الذي ترفض المعارضة المشاركة فيه، إستفتاء على دستور يضمن تسرّب الدولة الدينية عاجلا أم آجلا وليست الدولة المدنية التي يتوق اليها الإنسان المصري بغض النظر عن دينه وعقيدته. الدستور الملفق تضمن في مواده إنتهاكات خطيرة لحقوق الأقليات والمرأة وغير المسلمين، حين أصر على إبقاء المادة الثانية من الدستور القديم والتي تنص على أن "الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع والأزهر الشريف هو المرجعية النهائية في تفسيرها ولأتباع المسيحية واليهودية الحق فى الاحتكام لشرائعهم الخاصة في أحوالهم الشخصية وممارسة شئونهم الدينية واختيار قياداتهم الروحية".

هذه المادة تلغي وجود مواطنين من ديانات أخرى، كاليزيديين مثلا، إضافة إلى أنها تبقي الباب مفتوحا وتسهل تغيير دين البعض من الديانات التي لا تسمح بالطلاق للإستفادة من أحكام الإسلام التي تسمح بالطلاق. بينما تُحرم تغيير دين المسلم إلى أي من الديانات الأخرى. فبينما ترحب بالمرتد من ديانة أخرى وتسهل حصوله على الوثائق الرسمية لتسهيل معاملاته، فأنها تحرم وترفض توثيق إرتداد المسلم. فدينيا وشرعيا حسب تفكيرها يعتبر مرتدا ويحل قتله! وفي الحالتين تهدد إستقرار المجتمعات.

انها مادة تروج لحرمان المسيحيين من تولي مناصب عليا في الدولة بحجة أن الثقافة الإجتماعية السائدة لا تستسيغ تولي غير المسلم لوظائف عليا. فإذا كانت الحكومة ترفض هذه المساواة بحجة الثقافة السائدة، فلماذا تصر أيضا على عدم تعديل المناهج التعليمية بما يتوافق مع الحقوق العالمية لضمان المساواة والأهم لتغيير الثقافة السائدة التي هي نتيجة المناهج التعليمية التي إعتمدت أيدلوجية دينية متصلبة رسّخت لدونية المرأة وجعلت هذه الدونية مقبولة إجتماعيا وعملت على عدم المساواة بين مواطني الدولة الواحدة عند إختلاف عقيدتهم؟

إضافة إلى كل ما سبق فإن فكرة إحتكام هذه الأقليات لشرائعهم تخلق نظاما قضائيا موازيا في دولة واحدة وبين مواطنين المفروض أن بينهم مساواة في الحقوق والواجبات ويخضعون لنظام قضائي واحد يستند إلى الدستور الواحد الذي يضمن العدالة بين الجميع.

إن الإحتكام لأي من هذه المحاكم التي تصطبغ بصبغة دينية هو قتل للديمقراطية في الصميم، لأن هذا الاحتكام يؤكد عدم المساواة بين المواطنين ويلغي حيادية الدولة. فبينما تدّعي الدولة المساواة بين المواطنين تطبق محاكمها عدم المساواة طبقا لشريعتها والتي تعترف بأن لا مساواة بين الرجل والمرأة!

إضافة إلى المادة الثانية ما يلي نماذج من مواد أخرى تنتهك الحريات..

المادة 48 من هذا الدستور تعطي الحكومة الصلاحية لإغلاق أي مصدر إعلامي لا يعجبها بعد إستصدار حكم قضائي. وبالتاكيد من قاضي مسلم عينته الحكومة!

المادة 70 والتي لم تُجرم عمالة الأطفال حتى ما دون سن السادسة!

أما فيما يتعلق بحقوق المرأة، فيكفيني القول بأنها وطبقا للمادة 72 لم تُجرّم زواج القاصرات والذي يروج خلال فترة الصيف في مصر حين يعمد بعض الأهالي وتحت الفقر والحاجة إلى تزويج بناتهم لأغنياء من شيوخ الخليج مقابل مبالغ مالية يُتفق عليها بين الطرفين. وبالتالي ساهم هذا الدستور بتعزيز هذه التجارة حين رفض تجريم علمية الإتجار بالبشر معطيا الضوء الخضر لكل من يريد تزويج إبنته القاصر.

أما فيما يتعلق بحقوق المرأة تحت قانون الأحوال الشخصية، فلقد عُدلت لتصبح أكثر إنتهاكا تحت مظلة الشريعة والتديّن!

المعارضة وطبقا لخبرة رموزها في السلك الديبلوماسي وفي العلاقات الدولية وفي التعامل مع الواقع المصري الصعب، أقدر على معالجة مصر وإعادة تأهيل الإنسان المصري لتقبّل المساواة وتقبّل العالم من حولة. ولكنها (المعارضة) لا تملك الجرأة الكافية لأن تقولها علنا وبوضوح بأن لا تلاقي بين الدين والدولة وأنه حماية للدين يجب فصله نهائيا عن السياسة لضمان سيادة الدولة وليس سيادة الدين الذي يبقى سياديا في الضمير الفردي. فحماية لنقاوته وطهارته، يجب عدم إخضاع الدين لمتغيرات السياسة. فالسياسة تخضع للمتغيرات العصرية. بينما الدين يجب ان لا يخضع إلا للضمير الشخصي والأخلاقي، ويبقي حرية فردية خاصة ما بين الإنسان والله.

لا أحد يملك عصا سحرية لتغيير الوضع والوصول إلى الإستقرار. فكل هذا يتطلب جهدا ورؤية واضحة ووقتا. ولكن وفي هذه المرحلة الحرجة أعتقد أن المعارضة أقدر على مواجهة أهم عامل للإستقرار وهو الإقتصاد المصري المنهار والذي لن تستطيع الحكومة الحالية برؤيتها المحدودة وشروطها الدينية أن تنعش اهم مورد من موارده: السياحة.

إضافة إلى أن المعارضة تعي تماما بأن الأهداف الإجتماعية يجب ان تكون لها الأولوية لنقل الإنسان المصري إلى العالم الحديث لأن تحقيق هذه الأهداف هو ما سيؤسس للإستقرار ولتقبل الديمقراطية في شريحة كبيرة من الشعب نسيها النظام السابق وإستغلتها الأحزاب المتأسلمة. وستكون المعارضة أقدر على إعادة تأهيل الإنسان المصري عبر جيل أو جيلين من خلال مناهج تعليمية تربوية صحيحه تستند إلى ما خبره أعضائها في تواصلهم مع العالم من حولهم سواء بالسفر أم بالإقامة.

لا شيء سيعيد للإنسان المصري عظمته سوى إعادة ثقته بنفسه بأنه بشر له نفس طموحات أخيه الإنسان، يتساوى مع كل إنسان حوله سواء في وطنه أم في الخارج. لعل خطوة إسقاط هالة القدسية التي وضها فوق رؤوس فقهاء الدين هي الخطوة الأولى. فهنا تكمن عظمة الإنسان بإنسانيته فقط.

أحلام أكرم

منظمة بصيرة للحقوق الإنسانية