ضباب النفي لا يحجب المفاوضات الأميركية

هذه المرة نفى المرشد اية الله علي خامنئي بنفسه التفاوض مع الولايات المتحدة الاميركية ليس لانها "الشيطان الاكبر" الذي لا يجب السلام عليه فكيف بالجلوس معه على طاولة واحدة والحوار معه، وانما فقط لان الاميركيين يتابعون تنفيذ سياسة مناوئة لايران. هذا السبب الواهي للتمنع الايراني عن التفاوض يكاد يكون من نوع التأكيد في معرض النفي. من الطبيعي ان تنفذ واشنطن سياسة مناوئة لطهران لانها هي ايضا غير مقصرة في هذا المجال. ايضا، وهو مهم، ان المفاوضات تجري بين دول متناوئة وليس بين دول مفاهمة.

دخول المرشد الايراني خامنئي علنا على خط الحوار مع الامركيين ولو من باب النفي يعود الى انه تولى بنفسه ادارة هذا الملف المعقد والاستراتيجي والحساس بالنسبة لمستقبل ايران وليس فقط النظام الذي يتزعمه، وذلك بعدما كان خامنئي قد قطع الطريق على اقتحام الرئيس احمدي نجاد له، عندما عرض بنفسه وهو في نيويورك الحوار مع واشنطن. ايضا لا شك ان فوز باراك اوباما بالانتخابات الرئاسية وبقائه في البيت الابيض لاربع سنوات قادمة متحررا من الضغوط عليه، قد اراح المرشد الذي قام بانقلاب سياسي عندما اوحت مختلف المصادر الايرانية بانها تفضل المرشح الديموقراطي باراك اوباما على المرشح الجمهوري ميت رومني وذلك خلافا للمسار الايراني الذي كان ايام الشاه واستمر في زمن الجمهورية الاسلامية. ويذكر الجميع كيف فضل الامام الخميني عام 1981 حرمان الرئيس-المرشح الديموقراطي جيمي كارتر من ورقة تحرير رهائن السفارة الاميركية في طهران مما ساهم في فشله وفوز المرشح الجمهوري رونالد ريغان. لا شك ان رفض اوباما شن الحرب ضد ايران في حين ان منافسه رومني كان متحمسا له كما بنيامين ننياهو لبى دورا اساسيا في انقلاب خامنئي على الالتزام بالجمهوريين وقد اندفع الامركيون من اصول ايرانية لتصويت لاوباما ليس تنفيذا لاوامر المرشد وانما خوفا على بلادهم من اي مغامرة عسكرية.

ليس سرا انه رغم العداء وحروب الظلال بقيت القنوات الخلفية بين طهران وواشنطن مفتوحة دائما وكان من ثمارها التعاون في أفغانستان وفي غزو العراق. لكن هذه المرة كما يبدو فان قنوات الاتصال اصبحت مباشرة. واذا كان اصبح معروفا ان المرشد كلف مستشاره الاول للشؤون الخارجية علي ولايتي بالاتصالات مع الولايات المتحدة الاميركية، فان ما ليس معلوما هو منْ كلف اوباما. واستنادا الى مصادر متطابقة في واشنطن فان اوباما كلف احدى اقرب مستشاريه واكثر اصدقاء عائلته بالمهمة. فهي التي وظفت خطيبة اوباما ميشال روبنسن في مكتب عمدة شيكاغو عام 1991 حيث كانت تعمل مع العمدة منذ العام 1987 انها: فاليري جاريت.

المستشارة جاريت ولدت عام 1956 في شيراز في ايران وهي من والدين اميركيين. والدها الدكتور جايمس باومن كان طبيبا ادار مستشفى لاطفال ضمن برنامج للتنمية، وجدها اول اسود اميركي حصل على الاجازة من M.I.T، تزوجت من الطبيب وليام جاريت. وحصلت على اجازة الحقوق من جامعة ميشيغان وهي تتكلم الفارسية والفرنسية بطلاقة. وقد عينها اوباما يوم عيد ميلادها في 14 نوفمبر عام 2008 مستشارة اساسية ومتقدمة بعد ان كانت قد تدرجت في مواقع مهمة.

المهم في هذا التطور ان اوباما يعرف بدقة ولع الايرانيين بالمناورة وانهم حققوا نجاحات ملحوظة، لذلك وضع خطا احمر لا يمكن اللعب عليه ولا قتل الوقت بالوقت. ابرز ما في ذلك انه ممنوع على ايران امتلاك السلاح النووي وانه اذا كان خيار الحرب مرفوضا فانه ليس مستحيلا، وان العقوبات مستمرة ولن يتم رفعها بمجرد تنفيذ بعض الشروط وابرزها اقفال منشاة فوردو النووية والتوقف عن وقف التخصيب بنسبة 20 بالمئة، وان الاتفاق يجب ان يكون متكاملا ونهائيا. واستكمالا لذلك فان المفاوضات ستأخذ بعين الاعتبار ان ايران ستشهد انتخابات رئاسية في منتصف 2013 ولذلك فان امام القيادة الايرانية مدة سنة كاملة للحسم. واذا ما انتخب علي ولايتي رئيسا للجمهورية كما بدأ يروج في طهران فان الصورة ستكون اوضح وقابلة للحسم بسرعة.

يبقى انه اذا كان عام 2012 وصولا الى منتصف عام 2013 هي مرحلة ضرورية للاستطلاع والتأسيس فان العام 2014 سيكون عام الحسم اما سلاما واما الحرب.

أسعد حيدر