هلاكها في أسلمتها... القضية الفلسطينية بين يدي حماس

هناك فرق كبير بين أن تدعم الشعوب المسلمة، افرادا وجماعات، دولا ومنظمات القضية الفلسطينية وتساند الشعب الفلسطيني في نضالاته من أجل استرداد حقوقه المغتصبة واقامة دولته المستقلة على التراب الفلسطيني وبين أن تتبنى تيارات الاسلام السياسي تلك القضية باعتبارها خيارا نضاليا تدخل من خلاله الى سوق المزايدة السياسية لتحقيق مكتسبات خاصة بها.

لا يتعلق الامر بمدى مصداقية تلك التيارات في توجهاتها الفكرية مقارنة بسلوكها العملي وارتباطاتها الخفية وبالاخص على مستوى التمويل، بقدر ما يتعلق بالسياق التاريخي للقضية الفلسطينية الذي لم يكن عامل الدين (إلا في حدود ما ابتكرته الحركة الصهيونية من أكاذيب بشأن الحق التاريخي لليهود في فلسطين) مؤثرا وفاعلا فيه. فالطابع الاستعماري من احتلال الى تهجير الى اغتصاب الى استيطان الذي اتبعته الحركة الصهيونية في تأسيس كيانها لم يول كبير اهتمام لنوع ديانة المطرودين من السكان الاصليين. فلا فرق في المسألة إن كان المطردون مسيحيين أو مسلمين. ما كان يهم الصهاينة أن تفرغ فلسطين من العرب.

مفهوم العرب هنا يشمل جميع الفلسطينيين، مسيحيين كانوا أو مسلمين. وهو ما القى بظلاله على جميع صفحات الصراع الذي لم يكن دينيا على الاطلاق. إذ أن العرب في كل أدبياتهم المتعلقة بفلسطين، كونها (اي فلسطين) قد احتلت ولزمن طويل موقع المركز في طريقة تفكيرهم بمصيرهم ووجودهم، لم يتخذوا موقفا معاديا لليهود باعتبارهم يهودا، بل حرصوا دائما، حتى في خطابهم الشعبوي على التمييز بين اليهودية ديانة وبين الصهيونية باعتبارها حركة عنصرية تسعى الى احلال شعب محل شعب آخر والتوسع على حساب دول أخرى.

وحين قيض للفلسطينيين أن يعلنوا عن وجودهم العسكري المقاوم من خلال منظمة التحرير الفلسطينية فان فصائلهم المقاتلة لم تقع هي الأخرى في خطأ الخلط بين العنصرين. فإذا كان اليهود هم المادة البشرية للحركة الصهيونية ودولة اسرائيل، فذلك لا يعني أن جميع اليهود هم صهاينة. هذا المبدأ تمسك به الفلسطينيون دائما.

على أساس هذا الفهم تكونت نظرة تاريخية إلى الصراع، تستبعد منه الجانب الديني وتركز على أبعاده الإنسانية والسياسية والحضارية. كان لسان العرب بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص يقول "ليست لدينا مشكلة مع اليهود. بل أن العرب كانوا على مر العصور الأمة التي لم تلحق ضررا بيهودها، وهو ما يعترف به اليهود أنفسهم. في الوقت الذي ذاق فيه اليهود على أيدي الأوروبيين على مر العصور كل أشكال الابادة والاستبعاد والاحتقار والتمييز"

وإذا ما عدنا إلى طريقة تعاطي الفلسطينيين مع الصراع فان فصائل المقاومة نفسها والتي قامت بالدور الأساس من أجل الحفاظ على الهوية الفلسطينيية وتذكير العالم بالمأساة التي يعاني منها ملايين الفلسطينيين كانت ممثلة بشكل تلقائي وعفوي لبنية الشعب الفلسطيني السكانية. كان المسيحيون قد لعبوا دورا هائلا في تاسيس وقيادة عدد من الفصائل التي كانت لها اسبقية تاريخية في النضال الفلسطيني من أجل الحرية. في واقع الحال لم يكن أولئك القادة والمناضلون موجودين باعتبارهم مسيحيين، بل كانوا عربا فلسطينيين.

وإذا ما كانت السنوات العشرون الأخيرة قد شهدت تأسيس فصائل مقاومة فلسطينية جديدة كانت حريصة على رفع الاسلام شعارا لها في مقاومة الاحتلال، فان تلك الفصائل كما أرى قد أضرت بالنضال الفلسطيني حين انحرفت به عن طريقه الواسعة لتدخل به في الازقة الضيقة. تلك الازقة التي لا يرتادها إلا الموالون لأفكارها الدينية، وهي افكار تفرق ولا تجمع. خسارة قد لا تدانيها أو تتفوق عليها سوى خسارة الفلسطينيين لتعاطف المجتمع الدولي. فحين ينتقل الصراع مع الكيان الغاصب من المنطق الإنساني الواسع والسياسي المبرهن عليه تاريخيا إلى المنطق الذي يجعل منه مجرد صراع ديني، فانه (اي الصراع) يفقد غطاءه القانوني. فالقانون الدولي لا يعنى كثيرا بالصراعات الدينية، كونها تنتمي إلى عصر سابق لعصره.

ومن هذا المنطلق علينا أن نفهم موقف العالم من حركة حماس في غزة ومن قبلها حزب الله في لبنان. فبالرغم من عدالة القضية التي يقاتل من أجلها الشباب العرب في حماس وفي حزب الله، فان موقف العالم منهما يظل ملتزما بحدود النظرة القانونية إليهما، كونهما حركتين دينيتين تناصبان اليهود العداء. وهو ما يلقي بشبهة العنصرية على سلوك امتزجت من خلاله الحقائق بالخرافات.

ما لم يتخيل وقوعه أحد من المناصرين للقضية الفلسطينية سيكون وقوعه ممكنا في المستقبل القريب: حوار بين اليهود والمسلمين (الاسلامويين) تكون فلسطين، مهد الديانات السماوية ضحيته. هل سيكون مبدأ تقاسم الغنائم هو القاعدة؟ شيء من هذا سيقع. ما الذي تعنيه كنيسة القيامة بالنسبة للإسلامويين؟ بصراحة لاشيء.

لا أبسط المعلومة هنا بل أتبع ما ينتج عن اختباراتها الواقعية. ففلسطين هي بالنسبة للإسلامويين لا تتخطى حدودها محيط قبة الصخرة. ولكن قبة الصخرة تقع في القدس، وهي المكان الذي اعتبرته أسرائيل عاصمتها الأبدية. ترى كيف سيتمكن الإسلامويون من الهروب من مواجهة ذلك اللغز؟

لا بأس. هناك غزة وهي رهينة بأيديهم.

ستحصل اسرائيل على سلام أبدي مقابل رفع الحصار على غزة. وهي عملية ستستغرق سنوات طويلة.

وما علينا سوى الانتظار.

فاروق يوسف