'قتلة' .. أيام مرت وظلت ماثلة في الاعماق!

من الصعوبة عرض هكذا نوع من الروايات

بعد ان فرغت من قراءة رواية "قتلة" للروائي الشاب ضياء الخالدي، تبادر الى ذهني سؤال، ربما ظل شاخصا امامي وانا اتنقل بين السطور، حتى اكتمل، مفاده، هل هذه الرواية كتبت للقاريء العراقي ام انها للتاريخ؟ ويمكن اعادة السؤال بصيغة اخرى، هل هي موجهة لعراقيي اليوم ام لعراقيي الغد؟ اعتقد ان الاجابة ستظل ناقصة. اذا لم نضف الى السؤال عبارة يمكن ان نسميها تساؤلا. ماذا يقول عنها قاريء اليوم اذا ما قرأها بعد ان هدأت تقريبا، عاصفة الرعب التي عاشتها البلاد في الاعوام السابقة؟

من دون ادنى شك، ان قاريء اليوم سيجد فيها شريطا مر عليه في الواقع، بشكل او بآخر، وان لم يلاحظ، في خضم انشغاله المرعب، كل حلقاته، او الزوايا المظلمة فيه والتي كشفت عنها الرواية، من خلال حركة الشخوص (الابطال) الذين قدمهم الروائي برمزية، استحضرت خلفياتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية، لتنهي الى معطى نهائي، اراد الخالدي قوله او تأكيده، لينتصر لمظلومية شعب، ارادت له قوى الظلام ان يعيش واحدة من احلك مراحله، وجندت اشخاصا كانوا في الاساس، بفعل نفوسهم المأزومة، مستعدين للمهمة القذرة، التي قاموا بها، بعد ان تجردوا من حسهم الانساني والوطني، ليجدوا انفسهم وسط العاصفة التي كان الاحتلال قد اطلقها بعد ان دمر مؤسسات الدولة واشاع الفوضى بشكل غير مسبوق.

تبدأ احداث الرواية بلقاء شخص (ديار) العائد من الغربة وهو محمَّلٌ بأفكار سياسية مرتبكة، تعكس شخصيته القلقة، والباحثة عن دور، لم يستطع تحقيقه عبر انتماءاته السابقة، فهو الشيوعي الذي انتمى للحزب في فترة صعود المد اليساري؛ حيث كان موضة استفرغ فيها الكثيرون من الشباب مخزونهم العاطفي، بعد ان طعّموه بطروحات ثورية غلبت عليها الحماسة، ومن ثم انتمى الى التيارات القومية، ثم غادر البلاد الى الغربة التي عاد منها بعد الاحتلال، وقد تحرر من حمولته الفكرية الزائفة كلها، من دون ان يتحرر من نوازعه وتطلعاته الشيطانية التي املت عليه من قبل ان يغتصب فتاة، بعد ان رفض ابوها تزويجها اياه! او هكذا حاول ان يبرر لـ (عماد) الذي يشعر تجاهه بالريبة، بعد عوته ولقائه به في خضم الاحداث الدموية التي غرقت بها بغداد، والتي ينجح الروائي في تصويرها او تصوير واقعها الذي كان انعكاسا لسلوك هؤلاء القتلة، وافعالهم التي حولتها الى مدينة اشباح في تلك الاعوام المرعبة.

"حالما وصل ديار الى العاصمة، طلب مني ان ادون له على الورق ما اعرفه عن احياء بغداد، الناس والبيوت والحياة اليومية، بدت مهمة كبيرة وانا اتعامل مع بشر يتحفوننا يوميا بالمفاجآت وينجزون اعمالهم بالسخط والرضا".

وعلى الرغم من ان هذه الاشارة المهمة في الرواية تاتي في سياق الكشف عن سلوك (البطل) ديار، الذي يمثل محور العمل، الا انها تحيل القاريء الى ان ما حدث في العراق، في جله، ان لم يكن كله، جاء بتخطيط من جهات تعمل اما لحسابها الخاص او بدفع من جهات معينة، او للقاء مصالح او غايات، وهو ما سيتجلى من خلال الاحداث التي ستفصح عنها الرواية، اذ تتشكل فيما بعد خلية او زمرة بعضها مدفوع للانتقام، وبعضها للثأر، وبعضها للمال، وبعضها بدافع التعصب، وبذلك فان القيمة النهائية للفعل تأتي انعكاسا لهذه النوازع الشريرة، وهو ما سيتجلى في افعالهم التي تأتي منسجمة مع ما كان يعيشه الشارع العراقي وقتذاك.

لقد كان (عماد) الراوي العليم او الذي يسرد الاحداث، او سيرته، التي تأتي متزامنة مع الاحداث، حيث يعيشها القاريء في زمنها الفعلي، وليس بطريقة الاستذكار، أي ان زمن الرواية ينتهي داخل الحدث المتسلسل نفسه، وبطريقة السرد السينمائي الذي يحايثه ما يبثه الروائي عن طريق الراوي الضمني من رؤى وصور تجسد الجو العام لبغداد وقتذاك .. (ديار) العائد من الغربة بخلفيته المضطربة كما اشرنا، وطموحه الشخصي الممزوج برغبته في المال والجريمة، وشكرية العجوز العاهرة سابقا، وسلمى الفتاة المسكونة بالثار لمقتل احد اقاربها، وعماد الشخص الذي يسقط في فخ هؤلاء من دون ان يعرف مسبقا دخيلتهم التي تتكشف امامه تدريجيا وتتكشف ايضا امام القاريء، بعد ان يجعلوا مهمتهم "اغتيال السيئين، وتنظيف البلد من الانتهازيين والجهلة والمجرمين واللصوص".. كما يقول ديار لعماد في ص34 لتبدأ رحلة القتل الممنهج على ايدي هؤلاء.

الكاتب والمؤلف
ان من الصعوبة عرض هكذا نوع من الروايات، لأنها تتعرض لوقائع متفرعة، تلتقي عند بؤرة، تمثل الثيمة الرئيسية للعمل الذي يدفع به الروائي ليكشف او ينتهي به الى مقولته، الا ان القاريء يستطيع ان يستنتج المقولة التي قد يتفق اولا يتفق بها مع الروائي وهدفه، كون العمل تشظى رؤيويا، من خلال ما بثه الروائي من مقولات تعكس ثقافته الخاصة، او قد تمثل موقفه الخاص، ويبقى هذا من حقه، لان تجريد الكاتب من نوازعه الذاتية، امر مستحيل في أي عمل ادبي او فكري، لان هذا نتاج ثقافته الخاصة والمتحصل من قراءاته، ولعل الخالدي عكس جهدا طيبا وهو يعرض بعضا من تاريخ العراق السياسي ويحكم عليه ايضا من خلال ابطاله، الا انه في العموم ظل متوازنا الى حد معقول عند توقفه في محطات سياسية رئيسية، ربما يتفق معه فيها البعض، ويختلف البعض الاخر.

لقد دفع الروائي بالشخصية الرئيسية الثانية (عماد) الى ان يمتزج بالقاريء ويعبر عن جوانياته الوطنية، بدءا من ريبته من (ديار) وطروحاته وخلفيته التي يسكب بعضها امامه، مرورا بسلوكه المريب، ونزعته العبثية التي لا تتوافق مع هدفه المعلن، وهذا الطرح يحيل الى قراءة سلوك كثيرين ممن انجروا الى العنف والجريمة، تحت مبررات مختلفة، املتها الاسقاطات الحادة لمرحلة ما بعد الاحتلال والاستقطاب الطائفي في شقه العنفي الذي سقط فيه البعض، ممن انجروا للعبة المعدة للبلاد، والتي يحاول الروائي الكشف عنها من خلال استجلاء مكنونات ابطاله وهم مثقلون بدواخلهم المتناشزة والملتقية ايضا عند هدف واحد، يتمثل بالقتل، او قتل الآخر المختلف من دون الاشارة من قبل الروائي الى أي طائفة ينتمون، لانهم بالضرورة لا يمثلون أيا منها بقدر ما يمثلون شخوصهم التي تموضعت حدثيا واعلاميا ايضا، تحت مسميات لا تمثلها قطعا. أي ان الرواية ارادت ان تحكي محنة شعب صادرته في لحظة تاريخية، ارادات شريرة، وجدت المناخ مهيئا لها في ظل الفوضى التي ضربت البلاد وتسلل المخربين اليها تحت عناوين مختلفة، غير متناسين ان (ديار) جاء تحت عنوان شركة!

ارى ان الرواية، كتبت للحاضر وللمستقبل ايضا، وهي للعراقيين وغيرهم، لانها تجاوزت عرض الحدث بطريقة روائية الى قراءة الحدث بعين اخرى واستبطنته بطريقة لم تخلُ من تشويق، وربما اشفاق على جميع من شاركوا فيه، لانهم في النتيجة ضحايا، لخلفيات سرقتهم من ذواتهم، ودفعتهم في طريق الظلمة والانحراف، وفي العموم جاء السرد الروائي مفعما بالحيوية، واللغة بعيدة عن التكلف، تخللتها شعرية في الوصف نجح الروائي في نسجها، وتمكن من اشراك القاريء وجدانيا معه، لاسيما مع (عماد) الذي كان يعكس مشاعر كثيرين، ممن تورطوا وحاولوا التخلص مما وقعوا به، اذ يقرر بعد ان تيقن من انه يعمل مع عصابة للقتل، الهرب الى كركوك، التي لم يصلها بفعل تداعيات الاحتلال والوضع المضطرب، فيعود بعد ان يكشف للقاريء كل شيء ويكشف عن ذاته التي شعرت بالتحرر والاطمئنان النسبي، ليتجه مع زوجته الى مرقد لاحد الاولياء الصالحين على الطريق.

"حملت القرآن وودعت الشيخ وهبطت من المزار الى الشارع المقفر، شمس العصر تنسحب ببطء.. الغروب قادم .. حقيبة بيدي والاخرى بيد زوجتي، نخطو بتثاقل ولا اعرف حتى اللحظة، ان كنت سأواصل الرحلة شمالا، الشيخ نصحني بالرجوع الى بغداد، لكني لم اساله ان كان يقصد الى بيتي في السيدية او في ساحة الفردوس، ام الى بيت بلال الطيار، ليتني اجد المأوى الآمن كما وفرته لأقاربي البعيدين، اثناء حرب سقوط بغداد او سقوط الحياة في الفوضى".

الاشارة واضحة، فالشيخ هو رمز الايمان الذي يعمر قلوب الناس، ممن نبذوا الافعال الشنيعة التي قام بها المجرمون في تلك الحقبة، ولعل (عماد) المتطهر والمتحرر والعائد الى ذاته الحقيقية، يترك سؤال العودة في ذمة تلك الروح الممتلئة بالايمان، روح الشيخ الصالح، فهو الوجدان العميق لشعب كان وسيبقى كذلك.. "معي القرآن وبركات الامام والشيخ وقلبه الذي دعاني للرجوع، اتبعيني يا مديحة (زوجته) فليس في العمر بقية حتى تختلفي معي".

اعتقد ان الخوض في موضوع كهذا، اقصد الاعمال الاجرامية او ما اصطلح عليه في بعض وسائل الاعلام بـ (العنف الطائفي) امر صعب جدا لحساسيته، الا ان الروائي ضياء الخالدي، تمكن من الدخول الى الحدث من مدخل يتفق عليه جميع العراقيين، وهو العامل الخارجي، وهذا امر صعب تجسيده بفعل امكانية السقوط في المباشرة والشعاراتية، الا ان اختيار الابطال من قبل الروائي كان ذكيا، وتحريكه لهم ابتعد عن الاطناب رغم ثقل الرواية في بعض محطاتها، لكنها تتوهج اكثر في الفصول الاخيرة، حيث يحتدم الصراع الداخلي في نفوس الشخوص الرئيسيين، وتتضح الخطوط تماما، ويغدو الصراع بين فكرتين او عقيدتين فتنجلي الاحداث، ويصبح انتصار البطل لذاته موازيا لرغبة الروائي في انجاز عمله بأفضل ما يمكن، ولعل (البطلين) انجزا ما عليهما بالشكل المطلوب!

الرواية صدرت عن دار التنوير، وجاءت بـ (190) صفحة من القطع المتوسط، وهي الانجاز الثالث للروائي بعد مجموعة قصصية ورواية.