'انهيار أسود' للبورصة المصرية ردّا على إعلان مرسي

قرارت رئاسية غير مدروسة

القاهرة ـ وصف خبراء اقتصاديون ما حدث في البورصة المصرية، بعد إصدار الرئيس محمد مرسي الإعلان الدستوري الخاص بإعادة محاكمات النظام السابق وتحصين قراراته الرئاسية، بـ"الانهيار الأسود".

فقد تهاوت البورصة متأثرة بـ"الاحتجاجات والاعتصامات"، وهبط مؤشرها بنحو 9.6 في المائة أي بقرابة 30 مليار جنيه ( حوالي 5 مليارت دولار).

وأوضح الخبراء أن هذه الخسارة تعد ثالث أكبر خسائر يومية من حيث الحجم في تاريخ السوق، وأثناء المرحلة التي أعقبت رحيل نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك.

وفقدت البورصة بعد جلسة 27 يناير/كانون الثاني 2011، 40 مليار جنيه (حوالي 6.5 مليار دولار)، كما فقدت حوالي 29.5 مليار جنيه (أكثر من 4.8 مليار دولار)، بعد جلسة 23 مارس/آذار 2011 عندما كانت البورصة عائدة من فترة تعليق لنشاطها استمرت ما يقارب الشهرين.

وأرجع الخبراء هذا التراجع الرهيب الذي يعصف بالاقتصاد المصري إلى حالة الانفلات السياسي والأمني وانتشار جرائم السطو المسلح على البنوك وشركات الصرافة بالإضافة إلى الإعلان الدستوري الأخير للرئيس مرسي.

وأكد الخبراء أن استمرار الوضع الانفلاتي سيجعل المستثمرين العرب والأجانب يتجهون إلى بيع أسهمهم حفاظا على أموالهم واستثماراتهم والدخول بها في أسواق هادئة ومستقرة بعيدا عن السوق المصري.

وأصبح الانهيار يهدد أيضا الدفعة الأولى من أموال صندوق النقد الدولي التي ستصرف بنهاية الشهري القادم؛ بسبب انخفاض التصنيف الائتماني لمصر، وصعوبة السداد التي تواجه الحكومة المصرية في المستقبل، إذا استمرت معدلات الانهيار المالي على نسقها الحالي.

وقال د. حمدي عبد العظيم مدير أكاديمية السادات للعلوم الإدارية السابق، إن الاقتصاد المصري معرض للانهيار إذا استمر على نفس المعدلات السريعة من فقدان الاحتياطي وانهيار البورصة بسبب الارتباك السياسي في مؤسسة الرئاسة.

ولفت إلى أن زيادة الاعتصامات والاحتجاجات وانهيار البورصة قد يدفع صندوق النقد الدولي إلى تأجيل صرف الدفعة الأولى المقررة لشهر ديسمبر/كانون الأول إلى حين استقرار الأوضاع السياسية والأمنية في مصر.

وأوضح أن الحكومة باتت مطالبة بتشجيع الاقتراض من الداخل، في صورة سندات أو قروض من البنوك المحلية، في ظل الظروف السيئة التي يمر بها قطاع السياحة إلى جانب ضعف تحويلات المصريين بالخارج، وتفجير آبار الغاز والحملة العسكرية في سيناء.

وقال إن كل هذه العوامل تؤدي إلى خسائر في الاقتصاد المصري، إضافة إلى أن تكرار التظاهرات في ميدان التحرير والاشتباكات الأمنية والقرارت الرئاسية غير المدروسة تنعكس بشكل سلبي على آداء مؤشرات البورصة وتهوي بالمؤشر الرئيس إلى الانخفاض، ومن ثم تكون مبيعات العرب والأجانب هي الأنسب لهم للحفاظ على أموالهم، الأمر الذي بات ما يهدد البورصة المصرية بـ"انهيار أسود".

ويصف د. هاني سرى الدين رئيس الهيئة العامة لسوق المال الأسبق، الوضع الاقتصادي حاليا بأنه في "تذبذب" وليس "كارثيا" كما يعتقد البعض.

وقال إن البورصات العالمية معرضة للهبوط مع ما يتبعه من خسارة، وللصعود مع ما يتبعه من تعويض للخسائر وتحقيق للمكاسب.

وأضاف أن أحداث التحرير وإصدار الإعلان الرئاسي أديا إلى خسارة البورصة لما لا يقل عن 30 مليار جنيه في دقائق معدودة، ولكنها بالتدريج ستعاود الصعود إذا تم حل الأزمة.

وكشف الخبير المصري عن أن انهيار البورصة لن يكون أصعب من التجارب الأليمة التي مرت بها خلال أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني وما تبعها من إغلاق التداول على البورصة لمدة شهرين، لتخسر فور افتتاحها ما يقرب من سبعين مليار جنيه، ولكنها استعادت عافيتها تدريجيًا بسبب قوة شراء المصريين واستقرار الوضع السياسي.

وطالب حكومة هشام قنديل بوضع خطة اقتصادية وبدائل حقيقية والنظر إلى المدخرات المتروكة في البنوك، لأن ما يحدث من ارتباك سياسي وأمني سوف تصل بالاحتياطي النقدي إلى حدود غير آمنة وسيكون تأثيره سلبيا على العملة المحلية.

ومن جانبه أشار الخبير الاقتصادي د. إبراهيم الشاذلي إلى أن آداء الاقتصاد المصري كان في تحسن مستمر منذ بداية انتخابات مجلس الشعب "البرلمان" المنحل، وكان مؤشر البورصة المصرية في صعود مستمر بفضل شراءات العرب والأجانب والمصريين والاستثمارات القادمة من الخارج.

وقال إن الوضع اسودّ فجأة أمام البورصة والاقتصاد المصريين، وتحديدا منذ "مذبحة بورسعيد" الشهيرة والتي هبطت بالمؤشر الرئيس لأدنى مستوياته حيث فقدت البورصة مليارات الدولارات في دقائق معدودة، إلى ان وصل الامر إلى الإعلان الدستوري الأخير ليسارع الأجانب في البيع؛ بعد ان شعروا أن السوق المصري أصبح غير آمن على المستثمر الأجنبي.

وأكد الشاذلي أن الحكومة الحالية لا تمتلك رؤية اقتصادية أو سياسية لمعالجة الأزمات التي تفتعلها، مقدما بعض الحلول التي تساعد على حل أزمات الاقتصاد مثل تنشيط الاستثمار المحلي والعربي والأجنبي.

وأشار إلى أن الحكومة مطالبة قبل ذلك بعلاج الخلل والانفلات الأمني وتهيئة الظروف لسرعة استقرار الأوضاع السياسية في البلاد، وبخلق فرص استثمارية للشركات والمشروعات الصغيرة، وبوضع ضوابط من أجل زيادة الإنتاج وتحصيل المتأخرات الضريبية التي تتعدى 34 مليار جنيه، بالإضافة إلى إلغاء عمل "جيش" المستشارين للرئيس مرسي وداخل الوزارات، وأيضا بسرعة تعديل القوانين المالية والضريبية؛ لأن القوانين الاقتصادية كانت تفصل لصالح حفنة من رجال الأعمال المنتفعين بقربهم من لجنة سياسات الحزب الوطني المنحل.

أما د. صفوت حميدة فيرى أن البورصة هي "مرآة" حقيقة وانعكاس لما يحدث في البلاد سياسيا واقتصاديا.

وقال إن الهبوط الحاد كان متوقعا على خلفية الأحداث السياسية والأمنية والتظاهرات التي تملأ المحافظات؛ لأن البورصة من أكثر المجالات التي تشهد خسائر أو مكاسب كبيرة في ثوانٍ معدودة لتأثرها بالأحداث.

وشدد على ضرورة الاهتمام بالأمن والغذاء كخطوة أولى لتدفق الاستثمارات، وتلبية المطالب الفئوية التي يصطدم بها الرئيس مرسي، وعلى ضرورة خلق بيئة تنافسية للاستثمار الأجنبي وإلغاء المعوقات التي تجعل المستثمر يهرب قبل أن يقرأ شروط الاستثمار في مصر، مستدلا بالفكرة التي أقرها رئيس الوزراء السابق د. كمال الجنزوري بإلغاء تأشيرات الدخول لعدد من الدول الأجنبية والعربية للمساهمة في التدفق السياحي على البلاد.

وزعم أن بيئة الاستثمار في مصر ستشهد تحسنا ملحوظا بغض النظر عن التظاهرات أو رغبة التيار الإسلامي في تكريس "الهوية الإسلامية"، بسبب تنامي أنشطة البنوك الإسلامية التي من المتوقع أن يكون المستقبل لها بعد صعود التيارات الإسلامية لسدة الحكم في بلاد الثورات العربية. (وكالة الصحافة العربية)