مغامرة الدَّولة الدِّينية في مصر

لم يترك المصريون دينهم حتى يُذكروا به

من العجب أن تصر التيارات الإسلامية في مصر على إثبات حقيقة اجتماعية مفادها أن هذا الوطن بعيد تماماً عن التمسك بالشريعة الإسلامية وبالتعاليم والمبادئ الدينية التي جاء بها الإسلام منذ قرون مضت، باستثناء جماعة الإخوان المسلمين لأنها تفرغت بالقطعية لمعارك الحياة السياسية مع شتى الطوائف والفرق والائتلافات، لذا فإن مكون الدين قد تراجع في تصنيف الاهتمامات الإخوانية. وأصبح هؤلاء المنتمين لكافة التيارات الإسلامية سواء المعتدلة الوسطية أم المتطرفة المغالية في الرأي والقول والفعل يؤكدون على ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية وهم في ذلك يدشنون لتلك الدعوة حملات تحشيدية وأخرى ورقية وصوتية والفضائيات التابعة لها صارت وجدت في تلك الدعوة مناخاً خصباً لبرامجها الفردية والحوارية.

والأعجب من ذلك أن تلك الدعوات التي تنادي بتطبيق الشريعة في وطن مؤهل منذ الفتح الإسلامي بتطبيقه أن المؤسسة الدينية الرسمية المعنية بذلك الأمر لازمها صمت مطبق إزاء مسئولية تطوير فهم المواطن لأحكام الشريعة نفسها ، فبات أمر هذا المواطن مأزوماً ورهناً لأية دعوات وصيحات تشير إلى بعده وانحرافه عن الدين وتعاليمه.

ولعلي أغالي بالقول حينما أشير إلى أن صمت المؤسسة الدينية واحترازها القصدي حتى في مجرد التفكير بمشكلات المجتمع هو الذي أسهم في إقصاء الدين عن الحياة العامة؛ الأمر الذي جعل الجماعات الدينية تخرج للشوارع والميادين ومن ورائهم حشود تعي وبعضها لا يعي للمناداة بتطبيق الشريعة، التي لا يرونها سوى حدود وعقوبات تتمثل في الجلد والرجم وإقامة الحدود التعزيرية على من يخرج عن أحكام الشريعة التي هي بالفعل في حاجة إلى فهمها واستيعابها بدقة وروية.

إن مشكلة المؤسسات الدينية، وتلك الجماعات والفرق، التي تصر على أن الوطن لا يطبق شريعة الله هي أن العلاقة بين الدين والدولة غير قائمة على التفاوض والحوار، ظناً منهما أن مجرد الحوار ينقص من طرفي العلاقة، وأصبح الليبراليون يدعمون موقف المؤسسة الدينية أقصد الأزهر في تجنبها المهاترات الاجتماعية التي تلصق كل نتائجها بالدين نظراً لأن هناك وسائط متعددة أخرى مسببة لها مثل المدرسة والجامعة والوسائل الإعلامية من صحافة مقروءة وفضائيات مرئية والتي جميعها في نظر بعض التيارات الدينية المتشددة أبواق للعلمانية وللدولة المدنية التي لا ينبغي من وجهة نظرهم أن تلحق بدولة ما بعد الثورة.

ومن اليقين أن نعترف فور خروج الآلاف إلى الميادين المصرية، وهم ينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية، بعجز الدولة حكومة ومؤسسة دينية في فرض الولاء الديني لجماعته بين أفراد المجتمع، وأنهما بالفعل عجزتا في ربط الدين بالشعور الوطني القومي، العجز نفسه الذي كان من أبرز نتائجه المد الديني في الهيئات البرلمانية والتشريعة، وصولاً إلى كرسي الحكم في مصر على الرغم من أن جماعة الإخوان المسلمين، التي ينتمي إليها الرئيس محمد مرسي، أعلنت وما تزال تعلن أنها غير منضمة إلى هذا الخروج الشعبي للمطالبة بتطبيق الشريعة، لا حرصاً منها على درء الفتنة، بل لأنها تقر بوصولها إلى سلطة البلاد عن طريق شرعية دينية لا تقبل المساس بالتزوير أو بالتشكيك فيها، إلى جانب أن حكومة الجمهورية الثانية تعلن صراحة بأن مؤسساتها الحكومية ذات طبيعة مدنية لا طبيعة دينية؛ وهو ما زاد هوة الخلاف والاختلاف بين الجماعة والحكومة من ناحية وبين التيارات الدينية من ناحية أخرى.

يخطئ من يظن أن التيارات الليبرالية في مصر تقف ضد تطبيق الشريعة، أو بالأحرى ضد فصل الدين عن الدولة، لأننا بالفعل لا نحتاج إلى فصل بقدر ما يحتاج الوطن إلى إعادة ضبط وترتيب وتنظيم علاقة الدين بالسياسة، لذا فإنه من المدهش حقاً أن تنادي فئة دينية بتطبيق شريعة الله في وطن هويته إسلامية وتكسوها المآذن وتضرب بعرضه وطوله أضرحة الأولياء وتنتشر بربوعه مدارس القرآن الكريم.

وربما الذي دفع بعض التيارات الدينية للخروج إلى الميادين والاحتفاء بمليونيات شعبية هو أن الدولة المصرية على امتداد تاريخها المعاصر؛ منذ الجمهورية العسكرية الأولى في يوليو 1952 وحتى الجمهورية المدنية الثانية عقب الثورة في يناير 2011، لم تدع لنفسها امتلاك قدسية الإسلام، وأنها مؤسسة مدنية سياسية لها وظائفها المعلومة، الأمر الذي ظنه البعض أن الدولة تتخلى عن مهام دينية وتكليفات شرعية واجبة. وربما أن السبب الذي أغضب التيارات الدينية المنادية بتطبيق الشريعة الإسلامية في الدستور والشارع ومؤسسات الدولة، أن الدولة ذاتها منذ الزعيم الراحل جمال عبد الناصر انتهاء بالرئيس محمد مرسي وهي تعلن حيادها تجاه العقائد الدينية الأخرى غير الإسلام رغم أن تلك الحيادية هي من محكات ومؤشرات تطبيق الشريعة الإسلامية.

ليس بمستغرب أن نرى مليونيات شعبية حاشدة تنادي بتطبيق الشريعة الإسلامية، التي يصر الأزهر الشريف أنها مطبقة بأحكامها ومبادئها وتعاليمها حرفياً، ويرفض ذلك الزعم أولئك المنادون لها، نفي هذا الاستغراب مفاده أن ثمة علاقة متوترة ومستمرة تاريخياً في العلاقة بين الإسلام والدولة وما تنتمي إليها من مؤسسات حكومية نظامية وأخرى خاصة، هذا التوتر يمكننا رصده في مواقف تاريخية مثل رفض الإمام أحمد بن حنبل الرأي الديني للخليفة بشأن مسألة خلق القرآن، وأيضاً مقولة الفاطميين بأن خلافتهم هي حق مقدس ودمجهم للسلطتين الدينية والسياسية من خلال ما عرف وقته بالتشيع الإسماعيلي، مروراً بسلطة المحتسب التي جمعت بين الدين والسياسة.

وفي الوقت الذي تنادي فيه التيارات الدينية بتطبيق الشريعة نجد على الشاطئ الآخر عشرات المفكرين؛ يرون ضرورة ضبط الدور السياسي للدين، وهم في ذلك يحذرون من مغبة مغامرة الدولة الدينية ونتائجها لا سيما السلبية كما في الصومال والسودان وباكستان، وكلا الفريقان يدشنان من التعليم ومؤسساته الرسمية ميداناً خصباً لتكريس وجهتي النظر المتعارضتين، حتى بات التعليم بحق أزمة فكرية تحتاج إلى حل لها.

إن طوائف وفرق مصر، التي تبدو اليوم أكثر تناحراً وتصارعاً عما كانت عليه وقت الثورة البيضاء، على اتفاق بأن الدين المرسوم نهجه وطرائقه في القرآن هو النظام الكامل والمتكامل والصحي للحياة، إلا أن قضية ممارسة هذا الدين ستظل المعضلة التي تحتاج إلى توافق وفهم لكنه الدين وطبيعته ومقاصده ورؤاه المحمودة، علاوة على عجز الأطراف المتناحرة أيديولوجياً عن إقامة أو تشييد سبل للحوار من أجل الاتفاق، وفي هذا الصدد تنبغي الإشارة السريعة إلى أن الطرح الديني رغم مدنية البلاد والعباد سينتصر لا محالة في النهاية مهما بلغت قوة و تنوع الأفكار المناوئة لهذا الطرح ، لكن هذا الانتصار ينبغي أن يكون بالفعل لصالح هذا الوطن ومستقبله مع التأكيد على أن الشريعة الإسلامية التي تنادي بها المليونات الشعبية لا تقتصر على عقوبات وأدوات للقمع والعقاب والترهيب، بل تتجاوز كل ذلك نحو الرحمة والحب والمودة والتآلف.

بليغ حمدي

كاتب مصري