إشكالية انهيار النظام العربي القديم!

بعد وقت لا يتعدى بضعة اسابيع نبدأ في العام 2013 واغلب التوقعات تشير ان حمم بركان سيدي بو زيد ستظل تضرب المنطقة العربية حتى وقت ليس من السهل تقديره. ففي المرحلة التونسية والمصرية من مرحلة التغيرات الكبرى في المنطقة العربية ساد الامل والتفاؤل بالتغيير انطلاقا من نموذج ثورة لبضعة اسابيع والتضحيات المحدودة التي حصلت في هذين البلدين. لكن الامر بدأ يتغير لدى انطلاق موجة التغيرات في المناطق العربية العربية الأخرى الاكثر تعقيدا. كما انه بات من الواضح ان ماهية التغييرات باتت اكبر بكثير مما كان يظن في بداية الثورات.

من شبه المؤكد الان لدى غالبية المحللين السياسيين ان سقوط رؤوس الانظمة شيء وتغيير ثقافة النظم السياسية شيء اخر. الامر الذي يعني ان مرحلة التغيير في المنطقة قد تستغرق وقتا اطول بكثير من الذي كان سائدا في البداية.

ولعل الوضع السوري وتعقيداته بات يقدم نموذجا للتغيير الدموي والمعقد بسبب تداخل التغيير في سوريا بعوامل عديدة منها ما يتعلق بالتنوع الثقافي في المجتمع السوري ومنها ما يتعلق بموقع سوريا.

وعلى الرغم من تعدد نماذج التغيير في المنطقة العربية الا انه من المعتقد ان التغييرات السياسية الحاصلة ستفرز ديناميات لانواع متعددة من الصراعات حول هوية الدولة والدستور والاقليات والخ من المسائل الشائكة التي قد تختلف من بلد لاخر حسب تعقدات الوضع فيه. الا ان القاسم لمشترك هو ان المنطقة العربية ذاهبة باتجاه طريق من الصعب تقدير نهايته كما بات من شبه المستحيل تقدير الزمن الذي ستستغرقه هذه التغييرات التي قد تؤدي في بعض الدول إلى تطاحنات داخلية تدمر نسيج المجتمع القائم وقد لا تنتج سوى الفوضى على المدى المتوسط على الاقل.

فنحن الان نمر بمرحلة تفكيك الدولة العربية القديمة لاجل استبدالها بدولة جديدة لا احد يعرف حتى الان كيف يتم تركيبها وباي محتوى او باي مضمون سياسي واجتماعي.و المشكلة بالطبع ليست فقط بالتفكيك بل ايضا مرتبطة بعوامل عديدة اهمها ماهية قوى التفكيك ودور الدول الكبرى وبالطبع كيف ستتم اعادة التركيب.

هذا التفكيك سيفجر على الاغلب العديد من التناقضات والدمامل المجتمعية التي تم قمعها في السابق او التي لم تكن من امور المفكرة بها لدى تأسيس هذه الكيانات. الامر الذي سيقود إلى عملية تفكيك واسعة قد تطال الوحدة الترابية لبعض الاقطار العربية وتؤدي كما في سوريا إلى صراعات اقرب منها للحرب الاهلية منها إلى الثورة او إلى تداخل عامل الثورة مع العوامل الثقافية الأخرى اضف بالطبع للعوامل الدولية واستغلال القوى الكبرى عادة لمثل هذه الصراعات لتقوية وضعها.

فقد دخل الاسلام السياسي بقوة على مجمل الوضع الامر الذي بات ينظر اليه بقلق من الاوساط الليبرالية التي تعتقد ان الاسلاميين اخذوا الثورة باتجاه الحكم الديني وهو امر لا يقبله الاسلاميون الذين ينظرون لانفسهم كضحايا للنظام السابق. وهذا سيؤدي على الاغلب إلى صراعات معقدة كما نرى في مصر بين قوى الاسلام السياسي والقوى العلمانية.

السؤال الان: ما العمل وهل هناك طريق خلاص او نوع من حل وسط لاجل تجنب الاسوأ؟

من وجهة نظري تتحمل قوى التغيير العربية مسؤولية كبيرة في هذه الاوقات التاريخية التي تمر بها مجمل مستقبل المنطقة العربية التي يرتبط مستقبلها بهذه التغييرات. وعلى قوى التغيير ان تعي ان التغيير يشبه وضع الحطب في الموقد اي ان عليها ان لا تضع كل حطبها في الموقد لكي لا تندلع نيران اكبر من قدرتها على ضبطها في حال امتدادها وان يكون لديها المرونة لكي تتعامل مع واقع التغيير ليس بمنطق انتحاري بل بمنطق المسؤولية التاريخية.

يظل من الصعب جدا معرفه كيف تتجه اليه الامور في ظل هذا الانفجار الواسع الذي بات يطال كل نواحي النظام العربي القديم. وهذا الامر قد يعني دخول المنطقة العربية إلى نوع من حرب المائة سنة التي حصلت في اوروبا والتي ادت إلى انهيار النظام القديم وتشكل اوروبا الحديثة.

قول هذا لا يعني ان المنطقة العربية مقدمة بالضرورة على مائة عام من الصراعات بقدر ما هو القول ان ما شهدناه حتى الان هو بداية انهيار الجبل الجليدي. ولذا قد يكون من الصعب معرفة كيف يتم بناء عقد اجتماعي جديد قبل ان نعرف كيف ستكون عليه عملية تفكيك النظام القديم. وهذا يعني ان علينا ان نتتظر اعواما قد تطول وقد تقصر حسب ظروف كل بلد لمعرفه كيف تتم ولادة النظام العربي الجديد.

د. سليم نزال

باحث في الفكر والتاريخ. كتاباته وابحاثه مترجمة للعديد من اللغات العالمية