حماس واختبار الحرب والسياسة من وراء قناع

لم تنفع هدنة غزة في تلميع صورة محمد مرسي مصريا وعربيا، كونه الراعي المعلن لتلك الهدنة. جاءت ازمة القضاة لتضع الرئيس المصري في الموقع الذي يكشف عن صورته الحقيقية: اخوانيا لا يؤمن بشروط وأسس الحياة الديمقراطية وفي مقدمتها استقلال السلطات الثلاث. ربما تصور مرسي ان رصيد القوة الذي خرج به من دوره المزعوم في "اكراه" اسرائيل على القبول بتعليق عملياتها العسكرية في قطاع غزة سيجعله أقوى في مواجهة تيارات المجتمع المدني في مصر، فعاد الى قراراته التي تراجع عنها في وقت سابق: عزل النائب العام واصدار الإعلان الدستوري. وهو ما أظهرت قوى المجتمع المدني المصرية رفضها له من خلال اضراب شامل دعا إليه القضاة ومَن وقف معهم بشجاعة وجرأة. الاكثر خطورة في الدور الذي يلعبه مرسي أن مصر بسبب سلوكه لم تعد واحدة. هناك انقسام يشهده الشارع المصري قد لا تكون عواقبه سليمة.

حماس من جهتها صارت تتحدث عن النصر السريع الذي حققته من خلال تلك الهدنة. ولهذا النصر من وجهة نظر الحركة معنى واحد يكمن في أن اسرائيل لم تتمكن هذه المرة من قتل عدد من زعمائها. وهنا تعود بنا حماس الى الميزان التقليدي الذي يزن به العرب حقائق الهزيمة والنصر. فما دامت الحرب لم تُسقط النظام العربي الحاكم (حماس هنا تمثله في الوقت الحاضر) فان تلك الحرب قد انتهت بالنصر. في هذا السياق الملتبس يمكننا أن نفهم المعاني التي ينطوي عليها نصر العرب "اعلاميا" في كل الحروب التي خرجوا منها ببلاد مهدمة وشعب يائس.

فهل حاربت اسرائيل وهي كيان مذعور من أجل تلميع صورة مرسي وخيلاء حماس المريض؟ ربما ينبغي علينا العودة الى الزيارة التي قام بها امير قطر إلى قطاع غزة والتي سبقت العدوان الاسرائيلي.

ليس خافيا على أحد أن قطر تقوم الآن بالاشراف والانفاق على حركة الاخوان المسلمين عالميا. في الماضي كان ذلك الدور يتم من خلال استضافة الاخوانيين المغضوب عليهم، المطرودين من بلادهم أو الذين يُراد لهم أن يقوموا بلعب أدوار معينة في المستقبل كما حدث مع القرضاوي وحسن الترابي وخالد مشعل. الآن وفي اللحظة التي صارت قطر توظف أموالها من أجل اسقاط الانظمة العربية (ما حدث في ليبيا، وما يحدث الآن في سوريا) فقد انتقلت الى عتبة جديدة في علاقتها بالحركات الاسلاموية التي تسمى جزافا بالمعتدلة، بينما هي تمثل في حقيقتها تيارات سياسية تحتكر الاسلام ضمن مفهومها الشعبوي القائم على اشاعة الخرافة بين بسطاء الناس، وهم الاغلبية في عالمنا العربي والتمهيد لحكمهم عن طريق تهديدهم بعالم الغيب، بدءا بعذاب القبر. وهي تيارات لا تخفي تشددها وتطرفها إن تعلق الأمر بالشؤون الداخلية وفي مقدمتها الحريات العامة. أما اعتدالها فهو كذبة غربية.

كانت تلك الزيارة التي وصفها الحماسيون وفضائيات عربية عديدة بالتاريخية، محاولة لاعادة النظر بارتباطات حماس الخارجية ودراسة الاستعدادات الداخلية لمواجهة عدوان اسرائيلي محدود التأثير، من بعده يحق لحماس أن تفعل ما تراه مناسبا لترتيب وضعها الجديد. وليس غريبا في حالة من هذا النوع أن يعلن زعماء حماس براءتهم من التسليح الايراني أو دور الوسيط الايجابي الذي طالما لعبه حزب الله أو العلاقة السياسية بالنظام السوري. وهكذا تكون حماس قد انضمت الى الربيع العربي بشرط أن تدفع ثمن ذلك الانضمام بطريقة خاصة بظرفها. كان ذلك الثمن رهينا بشعور اسرائيل بالانزعاج بسبب صورايخ تطلق عليها من غزة فتشن حربا.

من المؤكد أن حماس في حاجة الى استفزاز عدوانية اسرائيل، لتنتقل من ضفة إلى أخرى. من النبذ الكامل إلى الاحتضان الكامل. لربما هناك من يخطط لحركة المقاومة الاسلامية أن تلعب دور المفاوض الرئيس مع اسرائيل، تحت ذريعة صلح الحديبية. وهو ما صار الكثيرون يبشرون به. فعراب اوسلو، حتى وإن تخلى جهارا عن حق العودة، لم يعد مقبولا بالنسبة لدوائر القرار العالمية المعنية بصراع الشرق الأوسط. صار الرجل جزءا من تراث المفاوضات لا من مستقبلها.

كانت حماس إذن مستعدة لفهم وتنفيذ ما يمليه عليها زائر العناية الالهية. ذلك الزائر الذي كانت تنتظره منذ وقت طويل، بعد أن تأكدت وبما لا يقبل الشك أن عزلتها عن العالم الخارجي ستطول، وأن أية محاولة يقوم بها أخوتها لإنقاذها ستبوء بالفشل، ما لم تبادر بنفسها لاعادة ترتيب أوراقها من أجل الالتحاق بالركب المؤمن، الذي يقف ضمان آمن اسرائيل في مقدمة أهدافه.

فاروق يوسف