'المسبحة' أثمن مدخرات العراقيين



سوق السبح في اربيل يجمع ما بقي من التاريخ

درجت العادة في كل دول العالم على ان تكون المدخرات او المقتنيات الثمينة هي الاموال والذهب والعقارات والممتلكات المادية الثمينه سريعة البيع ولكن بعض العراقيين اضاف الى هذه الاشياء اقتناء حاجة ثمينة من نوع اخر وهي المسبحه والتي تحول التعامل بها من مهنة بسيطة الى تجارة مربحة وممتعه للبعض الذين تقدر اموالهم ومدخراتهم بعدد وانواع السبح التي يملكها وهو ما دفعنا للتوجه الى سوق السبح في محافظة اربيل "شمال العاصمة العراقية بغداد" لنلقي نظرة عن كثب على حقيقة هذا الموضوع.

يقع "سوق السبح" في شارع فرعي بالقرب من الساعة الاثرية القريبة من قلعة اربيل التاريخية، ويتألف في غالبيته من عدد من الباعة الذين يفترشون الرصيف لعرض بضاعتهم، في حين يمارس اخرون المهنة في محال مختصه بالمقتنيات الاثرية كالاواني النحاسية والمفروشات بالاضافة الى "السبح" كما يسميها العراقيون والتي تلاقي رواجاً كبيراً سواء كان من اهالي المدينة او الوافدين العرب والسواح الاجانب.

وبعد جولة في هذا السوق اخترنا احد الباعه وهو كاكه حسن خضر "ابو شجاع" الذي يعد احد اقدم الموجودين في هذا السوق حيث رحب بنا وتحمس للحديث في هذا الموضوع الذي يعشقه.

ويبدأ "ابو شجاع" حديثه عن انواع السبح بحسب المادة المصنوعة منها فهناك الكهرب والكهرمان والنارجين واليسر والسندلس والعقيق والفيروز والمرجان والعاج، وكل واحده من هذه المواد تستورد من دولة معينة وتكون لها طريقة خاصة في الصنع بالاضافة الى الفوائد التي تتميز بها والاسعار التي تباع بها.

واغلب هذه المواد هي مستوردة فالكهرب يكون بنوعين احدهما الماني وهو الاكثر جودة والاخر بولندي، اما الكهرمان فيستورد من ايران والباكستان في حين تأتي مادة اليسر وهي اخشاب بحرية من اليمن والسعودية ومصر بالاضافة الى استيراد العاج من افريقيا.

ومع وجود العديد من معامل وورش صناعة "السبح" في اربيل او باقي مدن العراق الا ان "ابو شجاع" يؤكد بان الباعة والتجار يفضلون المستورد من هذه البضاعة بسبب اسعارها الامر الذي بات يهدد هذه الصناعة وينذر باندثارها، مبيناً انه في السابق كان الاستيراد يقتصر على المادة الاولية الداخلة في صناعة "السبح" اما الان فاصبحت "السبحة" الجاهزة تستورد من دول العالم وخصوصاً الصين والسعودية ومصر وتركيا وسيرلانكا.

وتتراوح اسعار السبح الموجودة في هذا السوق بين الالف دينار وهي "السبح" البلاستيكية المصنوعة في الصين وهي من اقل الانواع جودة في حين سجلت "سبحة" مصنوعة من الكهرب الالماني اعلى سعر في هذا السوق حيث بيعت بسبعة ملايين ونصف المليون دينار. وبين هذين الرقمين تتوزع بقية الانواع فنجد "سبحة" اليسر يصل سعرها الى 200 ألف دينار و"السبح" العاجية المصنوعة من انياب الفيل تباع باقل من 100 ألف دينار وهناك "السبح" الخشبية التي تباع بحدود الخمسين الف دينار.

ويعد سيد خالد البائع الاقدم والاكثر خبرة في تثمين "السبح" بهذا السوق وغالباً مايتم الاحتكام اليه في تقدير اسعار السبح الثمينة.

ويؤكد عدنان الجنابي وهو احد الزبائن الدائميين لسوق السبح بأنه لا يأتي في زيارة او مهمة عمل الى اربيل الا ويقوم بزيارة الى هذا السوق الذي يعرف اغلب الباعة فيه وهو يبحث عن كل قديم وغريب من انواع السبح التي يمتلك منها مجموعة كبيرة مقسمة بحسب موادها واوزانها واسعارها.

ويقول الجنابي "ان جميع اصدقائي ومعارفي يعرفون ولعي بالسبحة ومحبتي لها وهم دائما يقدمون لي هدايا من السبح بعد ادائهم فريضة الحج او العمرة او رجوعهم من زيارات الى الدول المجاورة"، مشيراً الى انه ورث هذا الولع من والده الذي خلف بعد وفاته مجموعة من اندر السبح والتي تشكل ثروة مالية ولكنه لا يمكن ان يفكر يوماً ببيع احدها.

وعن الاستخدامات المتنوعه لـ "لسبح" يقسم الجنابي هذا الموضوع الى الاستخدام الاكثر شيوعاً وهو في الاذكار عقب الصلاة وهناك الاستخدام الطبي لـ "لسبح" حيث يعرف الكهرب بفوائده في علاج المفاصل وتنظيم الدورة الدموية في حين تستخدم "سبح" اليسر لتهدئة القلب وعلاج الحالات النفسية ، في حين يرى البعض وخصوصاً الشباب بان الاستخدام الاهم لـ"السبحه" هو كجزء مكمل لمظهرهم الخارجي ولا تكتمل الاناقة الا بها.

وبالنسبة الى تقسيم السبح نسبة الى اطوالها فان البائع اردلان يوضح بان اقصرها هي "سبحة" الـ33 وتستخدم لاغراض الزينة والتسلية ويكون الطلب عليها دائماً من السياح الاجانب والوافدين العرب، فيما تسجل "سبحة" الــ101 اعلى نسبة من الطلب بالنسبة لسكان اقليم كردستان عموماً واهالي اربيل خصوصاً وتستخدم في الاذكار عقب الصلوات بالاضافة الى انواع اخرى مثل "سبحة" الــ61 او الــ200 وهي اقل استخداماً وشيوعاً.

ويفترش اكثر من 45 بائعاً الرصيف في سوق "السبح" خلال الايام الاعتيادية ولكن هذا العدد يرتفع الى الضعف في ايام الجمع والعطل حيث ترتفع نسبة الاقبال على هذا السوق وخصوصاً من ابناء المحافظات العراقية الاخرى والسياح الاجانب الذين يبحثون عن السبح الغريبة والمميزة ويشترونها بالجملة كهدايا لاصدقائهم ومعارفهم.

ويعتقد الحاج صباح حمه وهو احد رواد سوق السبح في اربيل بأن المسلمين اخذوا السبحة من بلاد الهند التي تشير اغلب المصادر التاريخية بان سكانها عرفوها قبل الاسلام بعشرات القرون ويظهر هذا في الاثار والرسوم الهندية القديمة التي تحمل صور عديدة "للسبحه".