ثورات التغيير لم تنته بعد

ان الوطن العربي يعيش حالة من الفوضى والتشرذم، لا الانظمة متصالحة مع بعضها، ولا الشعوب موحدة داخليا، حيث ما زالت الخلافات السياسية والدينية هي سيدة الموقف، والشعوب مفرقة بين سني وشيعي، وبين مسلم ومسيحي، وبين مؤيد للثورة السورية ومعارض له، وما بين مؤيد لحماس ومعارض لمقاومتها، ويدور خلاف حول من هو العدو ايران ام اسرائيل ام تركيا ام امريكا، هذا هو حال الوطن العربي الذي يفتقد الى المرجعية الدينية والسياسية.

ان ريح الثورات والتغيير ما زالت تعصف بالوطن العربي من كل الاتجاهات، ومن غير المعروف ما سيتمخض عن هذا التغيير بعد هدوء العواصف وتراجعها، وهي لا تبدو بانها ستنتهي بسرعة، والدلائل تشير الى انها ستقلب الأوضاع رأساً على عقب.

ان المراقب للاوضاع الذي يمر به الوطن العربي اصبح لا يقدر على حل طلاسم السياسة المتخبطة التي تعيشها بلادنا من استقطابات وخلافات مذهبية وسياسية، ومن الملاحظ بان هذه الحالة تطورت بعد ثورات ما يسمى الربيع العربي.

ان زلزال التغييرات في الوطن العربي لم ينته بعد، ويبدو انه في بداياته، وهو ينتقل من بلد الى اخر حسب ما رُسم له، فكم بلد كان يظن نفسه بمنأى عما يحدث في المنطقة، ولم يتصور بعض الزعماء ومن وراءهم الشعوب بأن شيئاً من هذا القبيل كان من الممكن ان يحصل في دولهم.

ان ما يسمى بثورات الربيع العربي اقتصرت على عدة دول، ولكن ماذا عن الدول الباقية، فهذا التغيير الذي حصل في تونس ومصر وليبيا واليمن وما يحصل في سوريا قد بدأ عفويا، لان الشعوب وبمحض ارادتها ارادت التخلص من الانظمة الدكتاتورية، ولكن تغير مسار هذه الثورات عندما بدأت قوى خارجية اقليمية ودولية تتدخل في هذه الاحداث، وهنا اخذت هذه الثورات اتجاها اخر، وحاولت هذه القوى الخارجية استثمارها من اجل فوز التيارات الاسلامية، والتي وبالفعل وصلت الى السلطة، مما ادى الى تهميش القوى الحقيقية التي قامت بهذه الثورات.

ان القوى الحقيقية التي قامت بالثورة، والتي هدفت الى تغيير ملموس في المجتمعات لم تأخذ دورها في عملية التغيير الديمقراطي، وهذه المتغيرات التي حثت في هذه البلدان لم ترقَ الى تأسيس وخلق مجتمعات ومؤسسات مدنية حرة قادرة على ممارسة حريتها بالشكل الصحيح، ولذلك بدأت هذه القوى التي هُمشت بالتحرك، وهذا الحراك بدأ ينشط في مصر وتونس.

وستحاول هذه القوى والتي تشعر بأن ما حصل في بلدانها ليس هذا ما حلمت به وطمحت اليه، ولذلك ستشهد المرحلة القادمة تحركات لهذه القوى بهدف الضغط على هذه الانظمة الجديدة لتغير من سياساتها، وان تأخذ رأي الشعوب ومصالحه بعين الاعتبار، وعدم تكرار تصرفات الانظمة الاستبدادية السابقة.

بلا شك ان القوى التي تحركت من اجل التغيير في الوطن العربي لم تكن لديها اهداف موحدة من وراء التغيير الذي حصل، فالأهداف تختلف من فرد الى اخر، ومن جهة سياسية الى اخرى، فهناك من اراد ممارسة الحرية والديمقراطية بعد حكم دكتاتوري استمر لسنوات طويلة، وهناك من رأى في التغيير فرصة لفرض ايدولوجيته وافكاره على المجتمع، وهناك من رأى في هذا التغيير فرصة لايجاد عمل افضل وحياة افضل بعد الكشف عن فساد الزعماء الذين نهبوا البلاد والعباد.

وفيما يتصل بثورة الشعب السوري، والتي بدأت عفوية كما بدأت الثورات الاخرى، ولكنها بعد ذلك استُغلت من قبل قوى اقليمية من اجل فرض رؤيتها وافكارها على هذه الثورة، وهنا اصبح واضحا ان ما يسمى الربيع العربي فقد نقائه واهدافه السامية، واصبحت الشعوب تدرك بان التغيير هو ليس من اجل الديمقراطية والحرية الحقيقية، وانما من اجل وصول احزاب بعينها بدلا عن الانظمة الدكتاتورية.

ان شعوب الدول التي تم فيها التغيير تنتظر من الانظمة الجديدة بان تُحقق لها الحرية، وعدم ممارسة القمع الفكري والسياسي، فصمت هذه القوى لفترة من الوقت لا يعني اذعانها لهذه الانظمة، وانما هو لاعطاء الانظمة الجديدة فرصة، ولرؤية ما تستطيع هذه الانظمة من تحقيقه لمصلحة الشعوب.

ان مرحلة التغيير لم تنته بعد، وشكل هذا التغيير في الوطن العربي لم يتبلور بعد، ومن غير المعروف كيف سينتهي وأين، لان عاصفة التغيير ما زالت مستمرة حتى في البلدان التي حصلت فيها الثورات.

ابراهيم الشيخ

كاتب فلسطيني