مرسي على قاب قوسين او ادنى من اكتساب رضى واشنطن

نصائح ام اوامر؟... مرسي يطيع

كانت الوساطة من أجل التهدئة في غزة أداء دبلوماسيا بارعا للرئيس المصري الجديد محمد مرسي عزز مكانته بقوة وطمأن واشنطن بأن هندسة السلام في الشرق الاوسط يمكن أن تعيش في ظل الربيع العربي.

وهيمن الانزعاج على واشنطن على مدار عامين مما يمكن أن يحدث في حالة وقوع مواجهة كبيرة بين اسرائيل والفلسطينيين في غياب حكام عرب مستبدين حافظوا على الاستقرار لعشرات السنين وعلى رأسهم الرئيس المصري السابق حسني مبارك الذي كان يقدم نفسه كضامن شخصي لمعاهدة السلام الموقعة عام 1979 مع اسرائيل.

وأطاحت انتفاضة شعبية بمبارك العام الماضي وينتمي خلفه مرسي إلى جماعة الاخوان المسلمين التي كانت واشنطن تخشى صعودها لعقود.

لكن بحفاظه على ثقة الولايات المتحدة واسرائيل واستخدامه خلفيته كعضو بجماعة الإخوان المسلمين في تطوير العلاقة مع حركة حماس التي تحكم قطاع غزة اجتاز مرسي بنجاح اختبار أول أزمة بين اسرائيل والفلسطينيين خلال رئاسته.

وقال شادي حامد من مركز بروكينجز الدوحة ان الجميع يشيرون إلى مرسي باعتباره فائزا في هذه المسألة ولاعبا رئيسيا. وقال إنه خرج من الأزمة برأسمال سياسي أكبر على الصعيدين الاقليمي والدولي.

وجاءت إشادة واشنطن سريعة وواضحة.

وقالت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون التي قضت الأربعاء في القصر الرئاسي المصري وأطلعها مساعدوه على مفاوضات التهدئة "أريد أن أشكر الرئيس مرسي على قيادته الشخصية لتهدئة الوضع في غزة".

وهذا الإنجاز استثنائي بشكل خاص للمهندس البالغ من العمر 61 عاما الذي تعرض للسخرية في السابق لأن جماعة الاخوان المسلمين اختارته في البداية ليكون "احتياطيا" لمرشحها الرئيسي بانتخابات الرئاسة والذي منعته محكمة فيما بعد من خوض الانتخابات.

وتسمح التهدئة التي أنهت نحو أسبوع من القصف الإسرائيلي لغزة وهجمات حماس الصاروخية على إسرائيل لمرسي بوضع بصمته على السياسة الفلسطينية الاسرائيلية التي ما زالت أجهزة المخابرات والأجهزة الأمنية تديرها إلى حد كبير.

ويعمل مرسي باطراد على تعزيز سلطاته منذ هزم منافسه في الانتخابات الرئاسية قبل نحو خمسة أشهر. وأعاد الأداء الهاديء والواثق على الساحة الدولية لمصر بعضا من نفوذها الذي شعر كثير من المصريين أن بلادهم فقدته في عهد مبارك البالغ من العمر 83 عاما حاليا.

لكن مرسي ما زال يواجه تحديات هائلة حيث لا يوجد دستور دائم في البلاد ولا يوجد برلمان كما أن الاقتصاد يواجه مخاطر بالغة في حين لا يزال الكثيرون في المؤسسة الأمنية تساورهم شكوك في رئيسهم الإسلامي الجديد.

وشكا بعض المصريين خلال أزمة غزة من أن الرئيس لا يركز على مشكلات بالداخل.

ومع تساقط القنابل على غزة صدم قطار في صعيد مصر حافلة مدرسية مما اسفر عن مقتل 51 شخصا غالبيتهم من الأطفال كما توصلت الحكومة إلى اتفاق مبدئي على قرض من صندوق النقد الدولي قيمته 4.8 مليار دولار مرتبط بإصلاحات لا تتمتع بقبول شعبي.

لكن النجاح في التفاوض من أجل التهدئة في غزة جعل بعض هذه المشكلات تنحسر قليلا مما يمنحه الوقت والسلطة للتصدي لمشكلات أخرى.

وكان الفوز بثقة واشنطن المتشككة عقبة صعبة.

وفتحت الولايات المتحدة التي تقدم لمصر معونات عسكرية بقيمة 1.3 مليار دولار سنويا قنوات رسمية مع الإخوان المسلمين في منتصف 2011 فقط أي بعد عدة أشهر من الإطاحة بمبارك.

وخلال حملته الانتخابية وصف الرئيس الأميركي باراك أوباما مصر بأنها ليست صديقا ولا عدوا وهي تصريحات قال دبلوماسي إن القاهرة استقبلتها باعتبارها صدا مفاجئا.

لكن على مدار أزمة غزة كان مرسي على اتصال هاتفي منتظم مع أوباما.

وقال جون الترمان مدير برنامج الشرق الاوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية وهو مؤسسة بحثية في واشنطن "مهما كانت العلاقة قبل نحو أسبوع فمن الواضح أنها أفضل الآن".

وأمضت كلينتون معظم يوم الأربعاء داخل القصر الرئاسي المصري وتلقت تقارير من مسؤولين أغلبهم ينتمون إلى جماعة الاخوان المسلمين كانوا ينقلون تفاصيل من مقر المخابرات الذي استضاف الوفد الفلسطيني من أجل محادثات التهدئة.

ويقول مساعدو مرسي إن الرئيس يسعى إلى تحديد موعد للقاء أوباما وإن اتفاق غزة ربما يقدم هذا الموعد.

ولن تكون الآراء متفقة تماما بين مرسي وأوباما حيث مازالت جماعة الإخوان تصف إسرائيل بالدولة العنصرية التوسعية. وكانت حيلة مرسي أن يظهر أن تبني هذه الآراء لا يعني بالضرورة رفض معاهدة السلام بين مصر واسرائيل أو التنصل من العلاقة مع الولايات المتحدة خاصة في وقت يعاني فيه الاقتصاد المصري من صعوبات.

وقال مراد محمد علي القيادي في حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الاخوان المسلمين إن العلاقات القوية مع الولايات المتحدة مهمة لكنها ستكون مختلفة عما كانت عليه في عهد مبارك عندما كانت مصر مجرد تابع. وقال ان العلاقة الآن أصبحت علاقة مشاركة مبنية على المصالح المتبادلة.

وكرر هذه الفكرة أكثر من مساعد لمرسي الذي تحدث قبل أزمة غزة بوقت طويل عن إعادة التوازن في العلاقات المصرية الاميركية مع الحفاظ على قوتها.

وقال مساعد لمرسي "التحول في العلاقات لا يعني الابتعاد".

ويعكس هذا نهجا عمليا لجماعة الاخوان ويتبناه مرسي الذي قضى عدة سنوات يدرس ويعمل في التدريس في كاليفورنيا.

وسوف يساعد اتفاق غزة مرسي على تعزيز سلطته على جهاز المخابرات الذي مازال مليئا برجال حقبة مبارك.

ورغم أن المفاوضين اعتبروا دور مرسي رئيسيا في الاتفاق اعتبرت وسائل الإعلام الحكومية اتفاق التهدئة نجاحا للمسؤولين المخضرمين في جهاز المخابرات.

وقال مصدر بالمخابرات مطلع على محادثات غزة طلب عدم الكشف عن اسمه "القيادة الحالية مدنية وتفتقر إلى المعلومات أو الحس الأمني اللازم لتقديم النصح للفلسطينيين بشأن ما يحدث في الحقيقة." وأضاف مستنكرا أن مرسي قدم لحماس "خطابا دينيا دافئا" بدلا من ذلك.

لكن مصدرا أمنيا آخر مقربا من المفاوضات أقر بأن علاقة مرسي مع حماس لعبت دورا مهما.

وقال بينما كانت المحادثات في ساعاتها الأخيرة "لاحظت أن حماس كانت أكثر ارتياحا معنا بعد أن جاء الرئيس مرسي \'إلى السلطة\' ويثقون بدرجة أكبر في مصر وفي مقترحاتنا".

وما زالت مهمة فرض السيطرة على الأجهزة الأمنية التي لم تكتمل مهمة رئيسية أمام الرئيس الذي عزل رئيس المخابرات بعد أسابيع من توليه الرئاسة بعد مقتل 16 من قوات حرس الحدود المصريين ثم سارع بعد ذلك إلى إحالة كبار قادة الجيش للتقاعد.

وقال حامد من معهد بروكينجز إن استمرار مرسي في تحقيق انتصارات على غرار ما حدث في غزة سيمكنه من السيطرة على حصة أكبر في أجهزة السياسات الخارجية.

لكنه قال إن هذه العملية ستكون بطيئة لكنها ستساعد على الأقل في تحريك التوازن بعض الشيء.