سوريا ــ العراق: الوحدة على حطام العاطفة

تقول الشائعة "هناك منْ يفكر في اعلان الوحدة بين العراق وسوريا". خبر يشبه المزحة الجارحة. مَن يضحك على مَن؟ ولكن لمَ لا؟ كانت مشاريع الوحدة العربية تُرتجل في لحظة الهام. بعدها يصحو العقل المبني على أساس من قش المصالح السائبة فينهدم السقف وتنجو الخرافة من الحطام. نفخ العرب المعاصرون كثيرا من الهواء الفاسد في بالون الوحدة، وحين انفجر ذلك البالون عادوا إلى الادبيات الحزبية. لم يكن الدرس نافعا. الانفعال يُفسد كل خبرة. في كل محاولاتهم الوحدوية سبق العرب الاوربيين، غير أن اوربا الموحدة انتقلت منذ سنوات من الحلم الى الواقع، من الورق والنظرية الى العين والقدم. اوربا اليوم هي غير اوربا الامس. لا حدود ولا جوازات ولا عملات متفرقة (إلا في ما ندر) ولا تأشيرات دخول. يغادر الاوروبي مدينته ذاهبا الى مدينة أخرى من غير أن يكون معنيا باسم الدولة التي تتبع لها تلك المدينة التي ذهب إليها. هو اليوم كمن ينتقل من غرفة إلى غرفة أخرى في بيت واحد.

الوحدة بين سوريا والعراق هي أكثر أنواع الوحدة قابلية للتحقق. بلدان يكمل أحدهما الآخر جغرافيا. تاريخهما مشترك، من السومريين إلى البعث (رواد العروبة المعاصرة بمختلف أطيافهم جاءوا الى العراق من سوريا). أقتصاديا من الممكن أن يضع كل واحد منهما رأسه على كتف الآخر فيكتفيان بل يرفلان بالرخاء. ولكن وحدة من هذا النوع كانت دائما فكرة ممنوعة من التداول الواقعي، مسموح بها على مستوى التفكير النظري. ليس لأن من شأن تحققها أن يبتكر كيانا سياسيا عربيا قويا، قوامه العراق وسوريا ولبنان والاردن، بل لان وحدة البلدين في إمكانها أن تنتقل بالعروبة من الانشاء النظري الى المعنى التصويري الواقعي، وهو معنى لا يمكن قبوله، لا من الغرب ولا من البلدين المجاوين للأمة العربية (تركيا وايران).

وحدة العراق وسوريا معناها القطيعة مع الماضي الاستعماري.

تتبادر هنا إلى الذهن خرائط سايكس بيكو. هذا صحيح. يتمنى المرء لو رسم العرب بأيديهم خرائط أوطانهم. ولكن لا يزال لدى الجارتين أطماعهما في الوطن العربي وبالأخص في سوريا والعراق. هما تنظران إلى حطام اليوم بتشف وبعين راغبة في المزيد. تركيا وايران تكذبان حين تتحدثان عن مصالح وحقوق الشعبين السوري والعراقي. كان للبلدين دائما ثارات مع الانظمة السياسية التي سعت إلى أن يستقل البلدان (سوريا والعراق) بقراراتهما وبحياة شعبيهما. تركيا وبالرغم من علمنتها الاتاتوركية لا تزال تفكر بحلب والموصل باعتبارهما جزءا من اراضيها أما ايران فانها بغض النظر عن نوع النظام الحاكم فيها لا ترى في العراق إلا حديقة خلفية لمغامراتها. تاريخيا فانها حاربت الجميع على ارض العراق، بدءا من الرومان وانتهاء بالعثمانيين مرورا بالعرب. لذلك فان مشروع الوحدة الحالي قد يكون ورقة في صراع النفوذ بين دولتين كانتا منخرطتين دائما في عدائهما للعرب.

لو عدنا إلى الواقع، يمكننا القول أن سوريا اليوم هي ليست سوريا التاريخية والعراق هو الآخر غادر موقعه التاريخي. هما اليوم بلدان مخربان. لا بنية تحتية ولا اقتصاد ولا ثقافة ولا مجتمع ولا صناعة ولا زراعة ولا قانون ولا حتى شعور بالاستقرار والأمان. خلال سنتين من التخريب التحقت سوريا بالعراق الذي اجتهدت آلة الحرب الاميركية في عزله عن ماضيه المدني والقت به في مزابل العصور الحجرية.

بالوحدة لن ينقذ العراق سوريا من مصيرها، ولن تقف سوريا بين العراق وبين استغراقه في مستنقع الطائفية.

من المؤكد أن ايران هي التي تقف وراء تلك الشائعة. سيكون طريفا أن تقع وحدة عربية بإيحاء أيراني. من المؤكد أن الوحي بالنسبة للنظامين العراقي والسوري انما يقيم في ايران. ولكن ايران نفسها دولة محاصرة. دولة يكرهها الجميع. فما الذي يربحه من يعمل بايحاء منها؟

تركيا من جهتها تضحك. عدوتها التقليدية (ايران) ترتكب خطأ فادحا. فالاكراد وقد صاروا أدواتها في المنطقة، حسب تصنيفات الناتو والمخابرات الغربية والاسرائيلية، سيكون في إمكانهم أن يفشلوا أية محاولة في ذلك الاتجاه. ايران نفسها لا تفكر بقيام اقليم عربي قوي، بقدر ما تسعى الى اقامة سد يحميها من أية محالو غربية لتدمير أحلامها النووية. سد يؤجل الذهاب إليها. لعبة هزلية تقع خارج كل التوقعات. سوريا ـ النظام يائسة من مصيرها والعراق الذي لم يهتد إلى نظامه بعد هو نموذج مثالي للفوضى، فكيف يتحد البلدان؟

فاروق يوسف