118 مليار قتيل منا

أرقام فظيعة تقدمها لعبة الفيديو" نداء الواجب" (كول أوف ديوتي)، التي يمارس فيها أكثر من 40 مليون شخصحول العالم شهوة القتل الافتراضي يوميا. وقد "قتلوا" خلال عام واحد نحو 118 مليار شخص افتراضي، وبالتحديد نحو 324 مليون شخص يوميا، أي ما يعادل سكان الدول العربية.

اللافت أن ميدان القتال المفضل للاعبين هي الخلفيات العربية والإسلامية، إذ تجد أسماء المحلات مكتوبة باللغة العربية وترتفع المآذن والقباب وبقية تفاصيل مدننا العربية والإسلامية، إضافة الى ملامح الضحايا.

لا بأس بذلك ما دام القتل افتراضيا، فنحن نمثل الآخر المختلف المثالي لتلك المعارك الافتراضية.

هل لذلك من دلالات؟

من الواضح أن هذه القراءة ستفضي إلى خلاصات قائمة.

حمى لعبة الفيديو هذه لا تزال تجتاح العالم منذ إطلاق الاصدار الثاني من البرنامج قبل أكثر من عام. وقد حققت مبيعات بلغت نحو 570 مليون دولار في أول 16 يوما. وتقدر مبيعاتها خلال عام نحو 5 مليارات دولار.

ولا بد أن عدد القتلى الافتراضيين ارتفع عدة مليارات أخرى منذ بداية الأسبوع، بعد إطلاق الاصدار الثالث، الذي حقق مبيعات بأكثر من 500 مليون دولار في أول يوم فقط.

لن أعلق كثيرا فالأرقام تفصح بشكل أكبر من أي تعليق... فهذه لعبة فيديو واحدة من آلاف الألعاب والبرامج المشابهة التي تفجر نوازع النفس البشرية.

يمكن القول إن معظم إن لم نقل جميع ممارسي هذه الألعاب، وهم غالبا من الشبان، لم تُتح لهم حياتهم المدنية وسيادة القانون إطلاق تلك الشهوات عمليا، وهم ينفسونها بهذه الطريقة من باب أضعف الايمان.

والسؤال الذي يقفز الى الواجهة: كم منهم كان سيمارس القتل بهذه الشهوة العارمة، لو منحوا حصانة مطلقة من العقاب والعواقب؟

الجواب الواقعي هو معظمهم! أو على الأقل نسبة كبيرة... حسب طبيعة "الفرصة" وحسب درجة الاستقطاب والحافز، خاصة إذا لبس لبوس الحق المطلق والإيمان المطلق وسعى الى نشوة النصر المطلق.

أوضاع الفوضى والحروب التي شهدها العالم في فيتنام والشيشان والبوسنة ورواندا والعراق وأفغانستان والصومال وليبيا واليوم في سوريا، تؤكد ذلك الميل.

علينا أن ندرك أن تلك المعارك، ورغم المجازر التي ارتكبت فيها، لم تكن منفلتة بشكل مطلق! ويمكننا أن نتخيل أن فيها الكثير من الضوابط والأهداف والتحالفات والشروط! وهي بالتأكيد تحد من شهوة القتل بظروفها "المثالية" غير المشروطة وغير المنضبطة.

ولو كانت بلا قيد أو شرط... حق مطلق مقابل شر مطلق، وخطر مطلق مقابل مصر وإيمان مطلق وأمان وإفلات مطلق من العواقب، فيمكننا أن نتخيل ما كان سيحدث.

ورغم كل تلك الشروط والضوابط وحسابات الميدان والعواقب ومواقف المجتمع الدولي، فقد قتل الملايين.

لنتساءل؛ ماذا كان سيحدث لو توفرت الشروط المثالية الافتراضية، لهؤلاء اللاعبين، بل ولجميع سكان العالم وتحديدا من الرجال فقط، فالنساء بعيدات عن هذه "الشهوة".

لنفترض أن يكون الخصم شرا مطلقا، وأن تتاح للقاتل ظروف الأمان والسلامة، وأن قتل الخصوم يحقق النصر المطلق، دون مخاطر أو مخاوف؟

ماذا سيحدث لو وفرنا لجنود تلك الحروب "المقدسة" وللاعبي لعبة الفيديو الشروط "المثالية" المطلقة؟ ماذا لو كان قتل الآخر حقا مطلقا وواجبا مقدسا، ولا ينطوي علي أية عواقب؟

التاريخ الأقدم حافل بشروط وإيمان أفضل لممارسة أفضل للقتل(!) أفضل بكثير من شروط الحروب الحديثة التي ذكرناها.

لنعد الى تواريخ أبعد... الى الحربين العالميتين والى حروب القرون الوسطى، بل الى أبعد من ذلك، لنرى مبررات القتل المثالية! لم يكن هناك أي وازع للرحمة أو معاهدات دولية للرأفة بالاعداء.

لو تأملنا ذلك التاريخ، سنرى لماذا يدفع ملايين الأشخاص مليارات الدولارات لممارسة شهوة القتل في شروط مثالية وليقتلوا 118 مليار إنسان سنويا في برنامج واحد، وأكثر من ذلك بملايين المرات من خلال آلاف الألعاب والبرامج الأخرى.

يبقى أن نذكر أن معظم إن لم نقل جميع لاعبي برنامج نداء الواجب والبرامج المماثلة هم من الرجال، وكذلك هم الجنود المقاتلون عبر التاريخ.

فهل لذلك من دلالات؟

سأجرب قتل آلاف الأشخاص الافتراضيين لأرى!

سلام سرحان