هل جربت أن تحاور أخوانيا أو سلفيا؟

ماذا لو قدر لك أن تحاور إخوانيا أو سلفيا أو أي ممن ينتمون لتيارات الإسلام السياسي، أول ما يصلك منه الاتهام بالجهل والغفلة، فإذا تجرأت على تخطئته وصلك الاتهام الثاني بالكراهية والحقد على كل ما هو إسلامي، حتى إذا وصلت إلى الاختلاف والمعارضة والنقد دخلت إلى منطقة الكفر والنجاسة وما شابه.

حدث ذلك ويحدث مع الكثيرون على امتداد المجتمع المصري سواء في مواقع العمل والشارع والمسجد والأتوبيس والمترو وهلم جرا وعلى شاشات التلفزيون، حيث لم يعد المنتمون لهذه التيارات يخشون حتى استخدام العنف ضد معارضيهم، بعد أن تجرأ غيرهم على القتل والسلب والسحل والسب والشتم والكذب والتكفير ولم يعاقبوا.

وكل التهم التي تكال لك أو العنف الذي يمكن أن تواجهه موثق بالقرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، فمن قتل في رفح من جنود مصر ومن قتل في العريش من جنود الأمن في مديرية أمن العريش، ومن قتل في السويس من جانب من يدعون "جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ومن قصت شعورهن من البنات في المترو، ومن كفّر، ومن سبّ على شاشات التلفزيون، كل ذلك بآيات بينات من الذكر الحكيم، يفسرها أصحاب هذه التيارات على هوى السلطة التي يسعون للاستيلاء عليها أو البقاء فيها.

وما جرى في جمعة تطبيق الشريعة والنداءات والدعوات والخطب والفتاوى التي خرجت لتكفير كل المعارضين لتطبيق الشريعة، وما يجري في تأسيسية الدستور من سب وقذف وتكفير وغيره ضد المنسحبين منها، يكشف إلى حد بعيد طبيعة الحوار الإخواني والسلفي والجهادي.

هم لا يريدون نقاشا ولا جدلا ولا معارضة، هم لا يريدون إلا ما يؤمنون به "السمع والطاعة" لمرشد الجماعة أو أميرها أو شيخها، وهذا المرشد أو الأمير أو الشيخ يفسر آيات الله وأحاديث رسوله الكريم وفقا للفائدة المرجوة له وللنخبة من حوله، ووفقا لما يدعم سلطته ونفوذه وجاهه، لا وفقا لمرضاة الله وطاعة له وسعيا إلى ترسيخ اليسر والسماحة الإسلامية.

لقد التقيت الكثيرين من أعضاء هذه التيارات، وصعقت من هول ما يحملونه من قناعات وأفكار ورؤى، إنهم يرون الآخرين ـ خارج جماعتهم أو تنظيمهم ـ مجرد أناس تهجس في جاهلية ويحتاجون من يقومهم ويردهم إلى المسار الصحيح، ولن يتسن ذلك دون تطبيق الشريعة وإقامة حدود الله، لا فرق لديهم بين عالم أو مثقف أو كاتب أو إعلامي أو خبير أو سياسي، لا يؤمنون بوثائق أو تاريخ أو مواقف أو أحداث يمكن أن تخطّئهم وتدينهم، ويرون في كل ذلك مجرد وسائل قذرة تستخدم في الحرب ضدهم.

حين يخرج القيادي السلفي ياسر برهامي عضو الجمعية التأسيسية ليصادر على أي حوار في الاجتماع المزمع عقده تحت رعاية الأزهر الشريف للقوى المدنية والإسلامية، وممثلى الكنائس، من أجل التعرف على مطالب القوى المنسحبة من التأسيسية. ليؤكد على أن الشريعة قادمة قادمة وسيتم تطبيقها، وعلى رفضه التام لتعديل المواد المتوافق عليها، خاصة المادة 220 الخاصة بتفسير مبادئ الشريعة الإسلامية، قائلاً "المادة 220 خط أحمر لأن هذا هو الحد الأدنى الذي قبلنا به للتوافق". فأي حوار ذلك الذي يمكن أن يدار معه ومع أمثاله.

ثم يأتي الداعية وجدي غنيم ليسب المنسحبين من التأسيسية، ويؤكد على أن أي حوار مع ممثلي هذه التيارات مصيره الفشل، يقول "سررت بتطهير اللجنة من هؤلاء الأنجاس الصليبيين، والعلمانيين، والرقاصين" وأضاف "العيب على المشايخ ذوات الذقون الذين قبلوا بالجلوس مع هؤلاء من أجل التوافق، شعب مصر المتدين بطبيعته، أختاركم لتمثيله لا للجلوس مع الأنجاس الكفرة الذين لا يريدون شرع الله،" متابعا "العلمانيين والليبراليين كفرة لا يريدون وضع الشريعة في الدستور، لا يوجد أعز من الدين".

يحلون لأنفسهم ما يحرمونه على غيره، يحلون لأنفسهم النقد والسب والعنف والتكفير وما يشاءون دون وازع من دين أو أخلاق، ويحرمونه على غيرهم، يحلون ذلك باسم الله وآياته وأحاديث نبيه، فإذا قلت له اتق الله أخذته العزة بالإثم.

رئيسهم محمد مرسي مدعوم ومؤيد من الله حسب عبدالله بدر ومنال أبو الحسن عضو الحرية والعدالة وعبدالعظيم الشرقاوي- عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين عن قطاع شمال الصعيد، هذا الأخير الذي تلا عقب تأكيده لتأييد الله لمرسي قول الله تعالى"إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني أثنين إذ هما في الغار" ليكون مرسي ـ وفقا للسياق ـ رسولا أو نبيا، وغير هذا وذلك من شيخات وشيوخ السلفية والإخوان.

وبعيدا عن التأييد والدعم الإلهيين، فإن من يهاجم الرئيس أو ينتقده فهو يرتكب "خيانة عظمى" حسب ممثل حزب البناء والتنمية "الجماعة الإسلامية" صابر محمد في مجلس الشورى.

هذه نماذج قيادية من عشرات النماذج التي تسعى في أرض مصر بالتفرقة العنصرية والفتنة، مؤمنة بلا جدوى الحوار والوصول إلى نقاط اتفاق مع الآخرين المختلفين معهم والمعارضين لهم، أما القطعان المنقادة وراء هذه النماذج فهي تشكل كارثة مأساوية، إذ ينتشرون في كل مكان كالأوبئة المعدية لا تفلت منها نفس وعقل ووجدان، لا علم لهم ولا عقل ولا دين ولا أخلاق، مجرد آلات تأخذ أوامرها من أمرائها، فإذا وجهها أمر لم تبرمج عليه، اضطربت وارتكبت الجريمة.

إن هؤلاء وقادتهم من شيوخ الزوايا والجوامع والفضائيات لم يتعلموا آداب الحوار وقواعده وأصوله ولم يسعوا لذلك، ومن يقترب منهم يمكنه أن يرى أنهم أناس لم يخلقوا للحوار ولكن خلقوا للفساد في الأرض فتنة ورياء ونفاقا بحثا عن السلطة والمال والجاه لا بحثا عن الدين ونصرته.

محمد الحمامصي