هل الدم الفلسطيني رخيص لهذا الحد؟

غريب أمر جامعة الدول العربية في تعاملها مع القضية الفلسطينية، فمن تابع تصريحات وزراء الخارجية في اجتماعهم الوحيد واليتيم في القاهرة حول العدوان على قطاع غزة، ويسمع تصريحات القادة والزعماء العرب، يعتقد انه أمام جامعة دول عربية غير تلك التي تعاملت مع الأحداث في ليبيا أو التي تجري في سوريا. كانت قوية، شرسة، سريعة في عقد القمم وفي اتخاذ القرارات التي تنفذ قبل أن تُتَخذ، سريعة في إرسال المال والسلاح والمقاتلين، موظفة كل إمكانياتها المالية والدبلوماسية في تحريض مجلس الأمن ومحكمة الجنايات الدولية وحثهما على إصدار قرارات عقابية ضد نظامي ليبيا وسوريا، بل شاركت طائرات بعض الدول العربية وجنودها الأشاوس في ضرب وتدمير مواقع لجيش القذافي! أما في الحالة الفلسطينية فبدت مستكينة ضعيفة عاجزة لا حول لها ولا قوة، وبدا زعماؤها نعاجا كما قال وزير خارجية قطر، مع أنه كان وما زال أسدا جسورا في مواجهة أنظمة عربية بينه وبينها حسابات مبيتة، فهل الدم الفلسطيني الذي يُراق في غزة أرخص من الدم العربي الذي استباحه القذافي ويستبيحه نظام الأسد؟

ندعم ولا شك ثورات الشعوب ضد الاستبداد ومن أجل الحرية، وهم يستحقون كل دعم ومساندة، ولكن ألا يقاتل الشعب الفلسطيني من أجل الحرية وضد الاحتلال؟ ألم يرتكب الكيان الصهيوني من المجازر أضعاف ما قتل أي نظام عربي من شعبه؟ ماذا ينتظر القادة العرب بل والشعوب العربية حتى تتحرك لمساندة فلسطينيي غزة الذين يتعرضون لمجازر على يد العدو الصهيوني؟.وماذا ينتظرون للتحرك لإنقاذ القدس التي تُهود والمقدسات التي تُدنس في الضفة الفلسطينية؟ هل يعتقد القادة والشعوب العربية من خلال انتظارهم وصمتهم أن غزة ستهزم إسرائيل عسكريا؟ أم يظنون أن الفلسطينيين وخصوصا في غزة تعودوا على المجازر والخراب والدمار وأن دماء أبنائهم رخيصة عندهم؟ أين المظاهرات المليونية حتى الألفية في العواصم العربية مساندة لأهالي غزة؟ لماذا لا يتدفق المجاهدون والمقاتلون العرب والمسلمون الراغبون في الشهادة إلى غزة كما تدفقوا إلى ليبيا وسوريا وقبلهما إلى أفغانستان وباكستان؟ أين الشعارات التي كانت ترفعها جماعات الإسلام السياسي عن فلسطين والقدس وهي في المعارضة وقبل أن تصير حكومات وأنظمة؟ وماذا تروم الحكومات العربية وخصوصا حكومات الربيع العربي من وراء إرسال الوزراء والمسئولين إلى غزة؟ هل هو لقطع الطريق على المظاهرات والمسيرات واعتبار الزيارات بديلا عن تحرك الشارع؟ وماذا بعد هذه الزيارات وما قيمتها في معركة المواجهة الدموية التي يخوضها الفلسطينيون؟ وعلينا التذكير بأن هذه الحرب العدوانية الدموية على غزة جاءت بعد أيام من زيارة أمير قطر!

أسئلة كثيرة يرددها الفلسطينيون محتارين في ربيع العرب ونتائجه على قضيتهم الوطنية، وإن كانت حركة حماس خجلة ومتحفظة من انتقاد دول الربيع العربي وقطر لأسباب تتعلق بالدعم المالي ولأنه يجمعهم نفس الخطاب والمرجعية الأيديولوجية، فالشعب الفلسطيني لا يتردد في قول الحقيقة لأن فلسطين أكبر من كل الأيديولوجيات ومن كل الملايين التي تم تقديمها لغزة وهي ملايين لا تعادل قيمة طائرة خاصة من طائرات أمير أو ملك. كما لا عذر للعرب بأنهم منشغلون بأوضاعهم الداخلية وأن الحرب على غزة لها أيام فقط ويجب منحهم فرصة من الوقت، فالعدوان على الشعب الفلسطيني عمره أربعة وستون عاما وعلى غزة متواصل منذ ستة سنوات، وكما يقول المثل لو بدها تشتي لغيمت.

سنذهب مع وزير خارجية قطر الذي قال باسم العرب لن نحارب ورددها مرتين، مع أن قطر حاربت لجانب الأطلسي في ليبيا وقبل ذلك في العراق، ونعلم والعرب يعلمون ولكنهم لا يصارحون شعوبهم بالحقيقية، بأن سبب تقاعسهم ليس قلة الإمكانيات ولا قلة السلاح، وإذا غزة وصواريخها فعلت بإسرائيل ما تفعل فكيف لو انطلقت صواريخ العرب باتجاه إسرائيل؟ إن السبب أنهم بلا إرادة، فإرادتهم مرتهنة عند واشنطن وواشنطن تقول لهم إن إسرائيل خط احمر فلا تتجاوزوه.

اليوم معركتان تتزامنان وتترابطان، المعركة العسكرية ومعركة المفاوضات حول الهدنة، وإذا كانت المعركة العسكرية تخوضها غزة ومرشحة للتوسع لتشمل الضفة وكل الفلسطينيين، ولا يبدو ولا ننتظر مشاركة عربية، فإن معركة مفاوضات الهدنة لا تقل شراسة لأن اتفاقية الهدنة سترسم ملامح النصر والهزيمة، والمفاوضات تدور حول صفقة هدنة تتضمن ما هو أمني وعسكري وما هو سياسي وجغرافي، ونأمل من الحكومات العربية المشارِكة في مفاوضات القاهرة أن يواجهوا الضغوط الأميركية والأوروبية التي تريد أن تتوَج الحرب بهدنة تحمي حدود إسرائيل الجنوبية بما يؤدي لوقف المقاومة وخلق فتنة داخل غزة بين حماس وحركات المقاومة، وتكريس فصل غزة عن الضفة، بل إخراج غزة من الحالة الوطنية الفلسطينية.

لا نشك في وطنية أية من حركات المقاومة ولكننا لا نطمئن تجاه دول عربية تريد تدجين المقاومة وتريد إسقاط عجزها على الحالة الفلسطينية، تريد جر المقاومة لمربعها وسياستها بدلا من أن تنجر هي إلى مربع المقاومة والمواجهة. وقبل أن ننهي وحتى لا نبرئ الذات من المسؤولية نقول إن خللا ينتاب إدارة الفلسطينيين للحرب وهو خلل يبرر للعرب تقاعسهم، ونقصد به غياب رؤية وإستراتيجية فلسطينية لإدارة الحرب. فهل الحرب الدائرة العسكرية الدائرة بين غزة وإسرائيل، والتحركات الشعبية في الضفة المرشحة للتصعيد، والعملية الاستشهادية في إسرائيل... هل كل ذلك لرفع الحصار عن غزة من خلال فتح معبر رفح البري ووقف العدوان مستقبلا على القطاع؟ إن كان هدف الحرب ذلك فقط فهذا أمر خطير وعلى كل الفصائل الفلسطينية دراسة الأمر بجدية ووضع ما يجري في إطاره الوطني وليس لخدمة فصيل بعينه أو لخدمة أجندة عربية وإقليمية، فالدم الفلسطيني يجب أن لا يُراق إلا من أجل فلسطين، كل فلسطين.

د. إبراهيم أبراش

Ibrahemibrach1@gmail.com

www.palnation.com