غزة... حيث ايران شريكة الاخوان

كانت مشكلة العرب الدائمة مشكلة في غاية البساطة. أنها مشكلة العجز عن فهم أن هناك شيئا اسمه موازين القوى. لا يمكن بناء سياسات بمعزل عن موازين القوى. لم يستطع العرب يوما فهم معنى موازين القوى وأهميتها. اعتقدوا أن الصوت العالي والخطب الرنانة تغنيان عن السعي الى استيعاب معنى موازين القوى. أنها باختصار ازمة العقل العربي الذي يرفض أن يتطوّر.

تكشف حرب غزة الدائرة حاليا، عمق ازمة العقل العربي. انّها ازمة مستمرّة منذ ما قبل قيام دولة اسرائيل في العام 1948 وقادت، اوّل ما قادت اليه، ترك عشرات آلاف المواطنين الفلسطينيين لمدنهم وقراهم ولجوئهم الى الدول العربية المجاورة في انتظار تحقيق الجيوش العربية انتصارها على "الكيان المسخ".

لم يتحقق هذا الانتصار. لم يعد هؤلاء اللاجئون الى بيوتهم وارضهم. لا يزال هناك مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين موزعين على مخيمات في لبنان وسوريا والاردن وغزة والضفة الغربية وحتى العراق...الى ما قبل فترة قصيرة.

لم يتعلّم الفلسطينيون، في معظمهم، شيئا من تلك التجربة المرّة ومن تجارب اخرى تلتها في الاردن ولبنان والكويت. اقتنع الفلسطينيون في مراحل معيّنة أنذ الانتصار على الاردن او لبنان او الكويت بديل من الانتصار على اسرائيل. وأن ايهامهم بمثل هذا النوع من الانتصارات لا يخدم سوى انظمة عربية معيّنة لم تجد امامها سوى المتاجرة بهم وبقضيتهم...

في المقابل، لم يتعلّم العرب وغير العرب أنّ عليهم الامتناع عن اعطاء وعود غير قابلة للتحقيق للفلسطينيين. هناك، في ما يبدو، اصرار لدى بعض العرب ولدى النظام الايراني وادواته المعروفة على خداع الفلسطينيين وتوريطهم في حروب خاسرة سلفا!

في ضوء غياب الوعي الفلسطيني، يستطيع بعض العرب المتاجرة بالشعب الفلسطيني وقضيته الى ما لا نهاية. اتقن النظام السوري هذه التجارة وورثها عنه النظام الايراني الذي يتبادل الرسائل مع اسرائيل بصفة كونها "الشيطان الاصغر" ومع الولايات المتحدة بصفة كونها "الشيطان الاكبر" مستخدما شيئا اسمه ورقة الشعب الفلسطيني وقضيته. الشعب الفلسطيني ليس شيئا وقضيته ليست شيئا.

ولكن ما العمل عندما يتعلّق الامر بجهات تعتبرهما مجرّد ورقة؟ هل ما يفسّر قتل الفلسطيني في سوريا بهذه السهولة لمجرّد أنّه فلسطيني يرفض ان يكون من "شبيحة" النظام؟

كلّ ما في الامر، أن الشعب الفلسطيني وقضيته مجرّد ورقة ايرانية لا اكثر. المؤسف أنّ هناك فلسطينيين يصدّقون أن ايران تقف معهم وأنها ستعيد لهم القدس. هناك بين الفلسطينيين حاليا من يعتقد أنّه بات في الامكان الاعتماد على مصر لخوض حرب جديدة في المنطقة، في حين أنّ مصر في عالم آخر ولديها هموم مختلفة مرتبطة في كيفية الخروج من ازمتها السياسية- الاقتصادية- الاجتماعية العميقة. على مصر الاهتمام بالنمو السكّاني المجنون وبمياه النيل وكيفية المحافظة عليها، اضافة الى الوضع في سيناء والنشاط الارهابي فيها وعلاقة ذلك بغزة...

هناك معادلة تختصر المأساة الفلسطينية المتجددة. أنّها المعادلة القائمة على فكرة أن العالم العربي تغيّر وأن مصر الاخوان المسلمين افضل من مصر العسكر وأن ايران، المعادية لاسرائيل، صارت حاضرة في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان ومناطق عربية اخرى.

لا يزال الفلسطينيون يحلمون بأن بعض العرب والايرانيين سيهبّون لنجدتهم. لا يفقهون أنّ الصواريخ الايرانية التي يمتلكونها ليست سوى وسيلة كي تقول طهران لكلّ من يعنيه الامر أنها صاحبة الكلمة الاولى والاخيرة في غزة وأنها تسيطر على جزء اساسي من "حماس"، اضافة الى وضع يدها على منظمات صغيرة تدور في الفلك الذي رسمته لها وأنّها غير مهتمة بغزة الاّ من زاويتين، لا ثالثة لهما.

تتمثّل الزاوية الاولى في تأكيد أن طبيعة العلاقة التي تربطها بالاخوان المسلمين أمّنت تحويل جزء من هؤلاء تابعين لها خلافا لما يراهن عليه كثيرون من العرب. هناك عرب ظنّوا أنهم يمتلكون القدرة على استيعاب الاخوان. بعد الحرب الاخيرة في غزة، يتبيّن اكثر من أي وقت انّ ذلك ليس صحيحا بأيّ شكل من الاشكال.

اما الزاوية الثانية، فانها تتمثل في أنّ الرهانات العربية، بما في ذلك المصرية على امكان اعادة بعض الفلسطينيين الى جادة الصواب، ليست في محلّها. هناك فلسطينيون يهللون لـ"حزب الله" اللبناني الذي ليس سوى لواء في"الحرس الثوري الايراني" لمجرد أنه يطلق شعارات ضدّ اسرائيل، في حين أن سلاحه موجّه الى صدور اللبنانيين. وهناك فلسطينيون يعتبرون ان الصواريخ التي اطلقت من غزة في اتجاه تل ابيب والقدس ستحرر فلسطين من البحر الى النهر او من النهر الى البحر، لا فارق.

الانكى من ذلك، أنّ هناك بين العرب من رفع شارات النصر منذ الآن، في حين أن غزة ساقطة عسكريا وأنّها تحت الحصار وأنّ هناك آلاف الفلسطينيين ما زالوا في العراء منذ حرب 2008-2009 التي قتل فيها فيها نحو الف واربعمئة فلسطيني، معظمهم من المدنيين والنساء والاطفال، فيما لم يقتل اكثر من عشرة اسرائيليين، اكثريتهم عن طريق الخطأ، اي بنيران "صديقة".

أنها بالفعل ازمة العقل العربي الذي لا يريد ان يستوعب أن مختصر حرب غزة الدائرة حاليا هو أن ايران تريد القول للعرب أنها قادرة ايضا على استخدام الاخوان المسلمين تنفيذا لاغراض خاصة بها.

تبقى مشكلة العرب عموما، والفلسطينيين على وجه التحديد. هل المشكلة مشكلة ثقافة؟ هل هي عائدة الى هبوط في مستوى التعليم الى ذلك الحدّ الذي يجعل عربا وفلسطينيين يعتقدون أنّ صواريخ "حماس" وغير "حماس" تشكّل قوة ردع ستغيّر التوازن الاقليمي في المنطقة كلّها؟

أنها بالفعل مشكلة. هناك عرب وفلسطينيون لا يريدون الاعتراف بأنّ ليس في الامكان تحرير فلسطين من غزة وأنّ اسرائيل انسحبت من القطاع صيف العام 2005 للامساك بجزء من الضفة الغربية والقدس الشرقية بطريقة افضل.

هل من مجال للقول للفلسطيني البائس، الذي يهلّل للصواريخ التي تطلق من غزّة، أنّ كلّ ما يمكن أن تسفر عنه الحرب الدائرة حاليا هو تحوير الانظار عن الجرائم التي يرتكبها النظام السوري في حقّ شعبه؟

هل يمكن القول لكلّ من يعنيه الامر أنّ ايران تريد ابلاغ العالم أنها تمسك بغزّة وأن في استطاعتها اطلاق صواريخ في اتجاه اسرائيل ساعة تشاء وأنّ الاخوان المسلمين ليسوا بعيدين عنها وأنّ في استطاعتها استخدامهم ساعة تشاء بغض النظر عن مدى النفوذ المصري وغير المصري في غزة؟

ليس غريبا ما نشهده حاليا في غزة. هناك عرب وفلسطينيون لا يريدون أن يتعلموا شيئا من تجارب الماضي القريب. لا يريدون أن يتذكّروا ان في اسرائيل حكومة متطرفة تمارس ارهاب الدولة وأنّ العالم على استعداد للوقوف موقف المتفرّج امام ما ترتكبه آلة القتل الاسرائيلية.

لا يحفظ الدمّ الفلسطيني سوى القرار الفلسطيني المستقلّ. القرار الفلسطيني المستقلّ يعني في المرحلة الراهنة التصدي للمتاجرين بالقضية الفلسطينية اوّلا وعدم السقوط في فخّ المزايدات التي ادت الى هزيمة 1967 بعد نكبة 1948. هل في استطاعة الفلسطينيين وبعض العرب تعلّم شيء من النكبة والهزيمة...ام ما زال هؤلاء يراهنون على صواريخ "القاهر" و"الظافر" التي عرضها جمال عبدالناصر في القاهرة قبل أن يخوض حربه مع اسرائيل...

خيرالله خيرالله