الحرف اليدوية تومض بأنوار الحضارة الاماراتية

الوجه التاريخي لنمط حياتهم البسيطة

على الرغم من تطور حياتهم المعيشية بكامل أدواتها الخدماتية والتكنولوجية، إلا أنهم ما زالوا متمسكين بالحرف اليدوية التي لطالما اشتهروا بها.

ولم ينسَ الإماراتيون تخصيص حيز في حياتهم للاهتمام بالتراث بكل أشكاله، إذ أنه الوجه التاريخي القديم الذي يعكس نمط حياتهم البسيطة وأسلوبهم في العيش، إلى جانب الجمالية والحميمية التي يضفيها على الطابع العام المميز للإمارات وشعبها.

وتعد حرفة السدو من أهم الحرف والصناعات اليدوية التي كانت تقوم بها المرأة الإماراتية، والسّدو يعني غزل الصوف وتحويله إلى خيوط جاهزة للحياكة أو النسيج، وذلك بالطرق التقليدية التي تتناسب والبيئة الصحراوية.

كما أن الكلمة تعني الحياكة نفسها، وصناعة السّدو مثلها مثل غيرها من الصناعات والحرف الشعبية، تستمد أدواتها ومعداتها وخاماتها من البيئة المحلية، إذ يحصل على الصوف من الماعز والإبل، كما تستخدم المغازل اليدوية القديمة للغزل، والمنسج التقليدي لنسج قطع مزخرفة.

وقد تمّ تسجيل السّدو في نوفمبر/ تشرين الثاني العام الماضي، في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي للبشرية الذي يحتاج إلى صون عاجل وذلك خلال الاجتماع السادس للجنة الدولية الحكومية للدول الأعضاء في اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي.

وتنتشر الأنوال حالياً في جميع أنحاء دولة الإمارات. ويوجد أحدها في مركز الحرف اليدوية في أبوظبي الذي تأسس بقرار من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وبدعم من الشيخة فاطمة بنت مبارك، لتشجيع الحفاظ على الحرف اليدوية في دولة الإمارات العربية المتحدة.

ومن جهته يتولّى الاتحاد النسائي في أبو ظبي الاعتناء بعرض الفنون والحرف المحلية، حيث يسمح المتحف الصغير هناك، بالتعرّف عن قرب إلى الأعمال اليدوية للفنّانات المحلّيات. كما يضمّ المركز متجراً صغيراً لبيع المنتجات.

أما المنسوجات التراثية فتمثّل أهمية خاصة لكل سكان الإمارات، فمن وبر الإبل وصوف الماعز صنعوا أهم متطلبات حياتهم في الماضي. كما زيّنوا إبلهم وبيوتهم منها. وحتى اليوم لا زال الطلب على بيوت الشعر التي تبدع النساء في صناعتها وزخرفتها، لسهولة طيّها وحملها لرحلات السفاري تماماً كما كانت مطلوبة قديماً لكثرة الترحال.

كما يتم تصنيع الوسائد التي تمثّل الفرش أو الأثاث الذي لا غنى عنه في البيئة الصحراوية، بالإضافة إلى زخرفة عتاد الإبل مثل الأسرجة والأحزمة وقطع الزينة التي تعلّق، وأغطية الأواني، والبسط والسّجاد، والخروج التي كانوا يضعون بداخلها الأكل والملابس وغيرها من العتاد.

ومن الحرف اليدوية الهامّة في تاريخ الإماراتيين، تعتبر حرفة "الخواصة" من أقدمها. فحتى اليوم لازلنا نشهد أسقف المنازل والمباني التاريخية التي لا تزال حاضرة في بعض الأماكن داخل الإمارات، والتي يبدو أنها تشكّل أكثر أنواع مصنوعات السّدو التي بقيت حتى اليوم. ففي فصل الصيف تصنع الجدران والأسقف والأبواب من سعف النخيل المضغوطة، الأمر الذي يجعلها باردة نسبياً خلال اليوم الحار.

وتمر صناعة الخوص بعدة مراحل، بدءاً من جمع السعف من شجر النخيل مروراً بتقطيعه وتليينه وصبغه وانتهاءً بزخرفته وصنع الأداة المطلوبة مثل السّلال بأنواعها كتلك التي تستخدم لحمل الأسماك والرطب، أو تلك التي تستخدمها النساء لوضع أدوات الزينة واستخدامات أخرى. فقديماً تطوّرت صناعة سعف النّخيل مع انتشار زراعة أشجار النخيل حول الواحات، لإنتاج السّلال والمراوح اليدويّة والبُسط وأغطية الأرضيات، بالإضافة إلى حوالي 30 منتجاً آخر من شجرة النخيل.

وأمّا الحنّاء فلها قيمة اجتماعية كبيرة لدى الناس في كثير من المجتمعات الخليجية والعربية لأنها تدخل الفرح والسّعادة على النفس، كما تسهم في تعزيز أواصر العلاقات والروابط الاجتماعية التي تنعكس من خلال العديد من الأهازيج والأشعار والأغاني والأمثال الشعبيّة الخاصّة بالحناء، وهي في النهاية تعبير عن عادات وأحاسيس وتفكير الشّعوب.

وفي العادات الاجتماعية لسكّان الإمارات وأبوظبي على وجه التحديد، تحظى الحنّاء بأهميّة كبيرة ويبدو ذلك جلياً من خلال الاهتمام بها كموروث شعبي يتناقلون حوله القصائد والأشعار، وكموروث ديني اقتداءً بسنة رسول الله الذي حثّ على الخضاب بالحنّاء.

وبالنسبة إلى أنواع الحنّاء المتداولة في الإمارات فإنها تستورد من السودان وباكستان وإيران ومن الهند وعمان ولكلٍّ منها ميزاتها واستخداماتها وظروفها ومناسباتها. حتى أنّ نقوشها تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي: القصة، الغمسة والبيارج.

بشكلٍ عام فإنّ زينة المرأة قد نالت مساحة كبيرة من الحياة الإماراتية القديمة، متجسدة بالحرف والمهن اليدوية وببعض العادات والأعراف الشعبية. وقد ظلّت محافظةً على هذه المكانة إلى يومنا هذا، لأنّ المرأة في الإمارات لم تملّ أبداً من وضع إكسسوارات الشّعر والأساور والخواتم والخلاخل والقلائد، خاصةً تلك التي تضمّ الطبلة وهي عبارة عن شكل مستطيل مصمّم بحيث يحوي آيات قرآنية بداخله. وقد أثبتت الحلي الموجودة في متحف العين الوطني اشتغال القدماء بصنع الإكسسوارات والإبداع بها.

وتتحدّث خبيرة الحرف اليدوية الإماراتية والباحثة بمزاياها وتفاصيلها قديماً، صافية القبيسي، لتحكي لنا في العرب اللندنية عن أهمية هذه الحرف في إعطاء فكرة كاملة عن الحياة الإماراتية عند الأجداد، خاصةً في ما يتعلّق بالأشياء التي تميّزت بها المرأة الإماراتية. وتركّز على سعي الحكومة في دولة الإمارات إلى ترسيخ المهن القديمة ليطلع الجيل الحالي والقادم على أهمية المرأة في المجتمع الإماراتي القديم، فمن خلال إتقانها لمثل تلك الحرف كانت تتقاضى أجراً مادياً ساهم في تنمية الحياة المادية والاقتصادية لأسرتها، ومن هنا يعرف الجميع أن دورها لم يكن يقتصر على تربية الأولاد والأعمال المنزلية فقط، بل امتد إلى الاهتمام بإدارة الشؤون الأسرية خارج المنزل. بالإضافة إلى إعطاء فكرة كاملة ودقيقة عن بساطة الحياة وجماليتها في الوقت الذي لم تكن فيه قد تواجدت بعد أدوات التكنولوجيا.

واليوم وفي كل المناسبات الخاصة والعامّة يؤكّد الإماراتيون على تمسّكهم بحرفهم اليدوية القديمة التي باتت تؤدي دوراً تأصيلياً في مجتمعهم الذي يعجّ بوسائل الاتصال الحديثة وبالخدمات المتطوّرة. وهدفهم لا يتجسّد في تنمية وتطوير هذا التراث محلياً فقط، بل هم يسعون لتعريف كل شعوب العالم به وبحاجاته وبجمالياته، لذا تجتمع الحكومة والشعب على ضرورة الترويج له إعلامياً وتدريبياً.