أحلام الطفل: مرآة لرموز وجدانه الخفية

كوابيس الأطفال تعبر عن مخاوفهم إزاء بعض التحديات

مثلنا تماما، يتعرض الأطفال للأحلام والكوابيس في نومهم.. وما يحدث في هذه الكوابيس قد يكون أكثر أهمية مما نعتقد، إذ أن الحلم يعكس طبيعة الحياة النفسية للطفل حيث يكون ثريا بالرموز والإشارات التي تتضمن تفسيرات معينة تعبر عما يدور في أفكارهم من رغبات أو مخاوف وما يمكن أن يشغل دقائق حياتهم في ساعات اليقظة.

ويؤكد خبراء علم النفس أن الطفل يبدأ في رؤية الأحلام منذ ولادته، فيرى في أحلامه مشاهد من حياته داخل رحم أمه.. إلا أن أحلام الطفل تتخذ منذ سن الثالثة وحتى العاشرة تقريباً شكلا مختلفاً.. إذ تصبح تعبيراً عما قد يخطر بباله من أفكار. وبناء على ذلك اعتاد علماء نفس السلوك على الاستعانة بالأحلام للتعرف إلى مسببات القلق والتوتر النفسي الذي يعانيه الأطفال في سنوات الطفولة المتقدمة وخاصة بعد سن الخامسة، إذ يتفق بعض علماء النفس على أن أحلام الطفل في سنواته المبكرة قبل الخامسة لا تعكس في الغالب صورة واضحة عن حياته النفسية والانفعالية إذ تكون في غالبها صورا مشوشة وغير ذات معنى.

وفي كتابها "أحلام الطفل"، تقرر الاختصاصية النفسية د. بام سبور أن كوابيس الأطفال وأحلامهم المخيفة قد تعبر عن مشاعرهم إزاء التحديات التي يواجهونها في حياتهم اليومية ومخاوفهم الدفينة التي لا يجدون الشجاعة الكافية لإخبار الأبوين بها في ساعات اليقظة. و من ناحية أخرى، تمثل أحلامهم السعيدة مدى استجابتهم لخبرات مفرحة مروا بها في اليقظة، وهذا يمثل مؤشرا مهما على الأشياء التي يمكن أن تمنحهم السعادة وتعزز ثقتهم بأنفسهم. باختصار، تمثل أحلام الأطفال معينا لا ينضب يمدنا بمعلومات مهمة ومتنوعة تخص حياتهم النفسية وما قد يخبئه عقلهم الباطن.

وترى د. سبور أن ليس لجميع أحلام الصغار تفسير منطقي، لكن من المفيد أن يبدي الوالدان اهتماماً جدياً بها ومحاولة إقامة جسر من الحوار والتفاهم بين الطفل وأهله لاستطلاع مكونات هذه الكوابيس، هذه المبادلة مهمة لكلا الطرفين في تعزيز العلاقة بينهما، كما أن التطرق إلى التفاصيل أمر مهم في تفسير أحلام الطفل واستشفاف معانيها الضمنية.

ويؤكد متخصصون أن التفاصيل مهمة جداً في تفسير الحلم، فمثلاً إذا رأى الطفل كابوساً يتعلق بكلب يطارده وهذا كابوس شائع لدى الأطفال، فمن الأفضل أن نسأله عما كان يرتديه الكلب.. فقد يكون الكلب يرتدي بزة عليها علامة خاصة بمدرسته، وهذا يساعد في تفسير الكابوس على أنه معاملة سيئة قد يكون تلقاها الطفل من المدرس أو أحد التلاميذ الذين يكبرونه جسمانياً. أما مشاعر الطفل أثناء الحلم من سعادة أو حزن أو غضب فهي مؤشر آخر، فمثلاً الطفل الذي انفصل والداه مؤخراً قد يرى نفسه في الحلم أنه يزور والده وهو سعيد.. وهذا مؤشر على أن الطفل يفتقد والده في الحقيقة. كما أن الدور الذي يلعبه الطفل في الحلم – مشاركاً أم متفرجاً- مؤشر آخر، فإذا كان يحلم بأنه يشاهد أقرانه يلعبون وهو يقف بعيدا في دور المتفرج، فهذا قد يعني أنه يشعر بالعزلة في الحقيقة وأنه مستبعد من قبل رفاقه في اللعب.

وتقول د. بام بأن الكوابيس الأكثر شيوعاً بين الأطفال تتعلق برؤية الحيوانات المفترسة وهي تطاردهم مثل الأسود والنمور أو الوحوش المخيفة – بحسب ما ترسمه مخيلتهم – وهذه الكوابيس تعد دليلاً على أن الطفل يعاني في الواقع من القلق. وهنالك أيضاً الكوابيس التي تتعلق بالمتاهات أو الضياع في غابة أو أماكن غريبة وعدم القدرة على العودة إلى المنزل.. وهذا الكابوس قد يعني أن الطفل يمر بالتجربة ذاتها في اليقظة، فهو تائه ومشوش الأفكار ولا يستطيع اختيار أهدافه بوضوح.

وعموما، تدور أحلام الأطفال غالباً في إطار متعلق بالأحداث التي مرت عليهم في اليوم السابق على الحلم. ومن المرجح أن السبب في ذلك هو أن رغبات الطفل تلح عليه في أحلامه ليحقق في حلمه ما لم يستطع تحقيقه في الواقع، ويعوض بذلك ما فاته في حلمه، ومن الممكن أن يكون قد فشل في التغلب على أمر ما، أو لم يستطع حل مسألة دراسية فيتغلب عليها في حلمه. ومن الممكن أيضا أن يتعرض للإهانة من شخص ولا يستطيع الدفاع عن نفسه في الواقع فيحلم بأنه يرد هذه الإهانة. وقد يحلم بأنه يلعب بإحدى لعبه التي حُرم منها في الواقع فيشبع رغبته في اللعب بها في الحلم. كما أن الطفل الذي يحب القراءة والمطالعة قبل نومه قد يتأثر بما يقرأ ويحلم بأنه بطل إحدى هذه القصص ويتقمص شخصية البطل ويرى نفسه فيها ويحلم بأنه هو بالفعل.

أحد الأطفال الذين تحدث عنهم الكتاب وهو في سن الثامنة واسمه مارك، كان يعاني من حلم متكرر يتعلق بسفينة في عرض البحر تشبه منزله وهو على متنها، حيث بدأت أمواج البحر تغمره هو والسفينة وفي كل مرة يحاول إزاحة الأمواج عنه تعود لتغمره من جديد فكان يشعر بالعجز والقلق. وبتدقيق بسيط في حياة هذا الطفل الواقعية، تبين أن والديه معتادان على التشاجر في أغلب الأوقات ويعتقدان أن طفلهما ما زال صغيراً ولا يمكنه أن يتأثر بمنازعاتهما، لكنه في الواقع كان مغموراً بخلافاتهما هذه كما كان مغموراً بموجات البحر في حلمه.. ويشعر بالقلق والعجز حيالها، وهكذا فإن حلم مارك كان مؤشراً على معاناته التي كان عاجزاً عن التعبير عنها في يقظته.

ويؤكد علماء نفس الطفولة أن الأهل هم مصدر الحنان والحبّ، ولذلك لا يجب توبيخ الطفل عند الاستيقاظ من النوم خائفاً، بل يتوجب على الأهل مساعدته على تخطّي هذه المشكلة من خلال مراقبة سلوكه دوماً ومعرفة الأمور التي تسبّب له الخوف ومحاولة تجنب مشاهدة الأفلام الكرتونية التي تتصف بالعنف، وبدلاً عن ذلك المواظبة على قراءة قصة مسلية قبل النوم مع وضع مصدر خفيف للضوء في غرفته.