مصر ... مستقبل التَّعليم بين الإخوان والسَّلفيّين

أسلمة المجتمع البداية بالتربية والتعليم!

هل فطنت حكومة الدكتور هشام قنديل إلى حقيقة أن التعليم شرط أساسي لمجتمع حر وديموقراطي؟ وهل علمت أن التعليم يعد بمثابة تأمين إنساني، ومن أهم مواد وعناصر وعوامل التقدم والثروة؟ أكاد أجزم بأن هذه الحقيقة بعيدة تماماً عن أذهان حكومته بصفة عامة ووزارات التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي بصورة استثنائية؛ لاسيما وأن هذه الوزارات والحكومة بأسرها تعاني خطورة تقييد المعرفة والعلم وفق برنامج سياسي معين وبالطبع لن تتحقق تنمية تعليمية مادام أي وزير يأتي عبر قناة سياسية موجهة حتى وإن أعلن أنه يمتلك روية ورسالة تعليمية نهضوية تتكيف مع متغيرات ما بعد ثورة يناير وإزاحة النظم التعليمية المتوافقة مع سياسات النظام البائد.

وأضحى مناسباً اليوم أن نعجب ويصيبنا العجب بعبارة الثورة مستمرة تلك التي تتصدر لافتات الثائرين والمعتصمين وأساطين مستخدمي التويتر والفيس بوك، هذا الإعجاب ليس مفاده سحر العبارة ذاتها بل لأن المصريين ما يزالوا أنفسهم مستهيمين بكاريزما الثورة، وهم بالفعل لهم كل الحق في ذلك فغالبية الشعب الآن من طلاب الجامعات وحتى الملتحقين ببرامج الدراسات العليا الكاذبة بالجامعات المصرية الأكثر كذباً وتضليلاً للعلم والمعرفة، لم ينتموا تاريخياً إلى ثورة يوليو وهم بالقطعية لم يعاصروا ولو ذهنياً وأيديولوجياً ثورة 1919، لذا فإنه من البدهي انجذاب عموم الطلاب للثورة المعاصرة مفهوماً واكتساباً وممارسة أيضاً.

لكنه من العجيب أن تبقى الثورة مستمرة إلى حين القضاء على كل مظاهر الفساد السياسي والظلم الاجتماعي؛ لأننا حقيقة غير مفطورين على الديموقراطية وأن النظام السياسي البائد بسياساته التعليمية والثقافية والإعلامية سعى سعياً حثيثاً لتأهيل شعب بأكمله يجهل مواضعة الديموقراطية وممارساتها وطرائق وسبل تعليمها لغيره، وخير دليل على ذلك أننا بالفعل تمرسنا في غضون ثمانية عشر شهراً ويزيد على احتراف الفوضى وتطبيقها باحترافية وكفاءة غير مسبوقة وبات الجميل يتسابق في نيل شرف إحداثها وتجير شرارتها الأولى.

لقد صطدمنا بواقع تعليمي يؤكد أن المنظومة التعليمية بأكملها ستظل في حالة انتظار دائمة. وسيظل ملف التعليم هو الأكثر حضوراً رغم غيابه غير المبرر في خطة الرئيس المتداول على تسميتها بخطة الأيام المائة، وكأن مصر حقاً على موعد مستدام بتغييب عقلها عمداً وقصداً.

ولاشك أن المنظومة التعليمية في مصر تعاني خللاً واضحاً وترهلاً يبدو مقصوداً في بنيتها بغير استثناء في المرحلتين الجامعية وما قبل الجامعية؛ فبداية من معلم أو أستاذ أكاديمي هو بالأساس وسيط تعليمي في مناخ متحرك متدافع، إلا أنه في مصر تحديداً يقف حجر عثرة في طريق أي تقدم أو تحرك إيجابي، وهذا ليس بكلام مسترسل؛ فالتقارير التي كانت تعدها كافة منظمات المجتمع المدني المعنية والمهتمة برصد واقع المعلم وكذلك استطلاعات الرأي الممولة من الوكالة الأمريكية للتنمية تشير جميعها منذ العام 2008، وحتى الآن أن المعلم في مصر يعاني قصوراً سافراً وصارخاً في إعداده الأكاديمي والثقافي والتربوي وهذا يجعلنا نؤكد أن التدريس اليوم أصبح مهنة من لا مهنة له.

فالجامعة التي تؤكد ليل نهار أنها ترتقي بمستوى التنمية المهنية للأساتذة وأعضاء هيئة التدريس غفلت لسنوات طويلة عن عمليات السطو الرقيق للأبحاث والدراسات الأكاديمية وأذكر حينما كنت أدرس بالجامعة طيلة تسع سنوات كيف كنت أرى بعيني أساتذة يعدون ويسطرون أبحاثهم على مكاتبهم الخشبية بعيدين كل البعد عن واقع تلك الدراسات، وأن ما يخطونه من دراسات هو تجميع ملفق محكم للكتابات المتناثرة على شبكة الإنترنت.

وأستاذ بهذه العقلية البحثية يمثل خطراً بالفعل على عقول أبنائنا الطلاب لأنه بالضرورة سيعمد إلى خطف عقول طلابه نحو التقاط المعارف بنفس الطريقة السطحية التي يتعامل بها هو مع البحث العلمي ، وكم صار مؤسفاً القول بإن الأستاذ الأكاديمي صار موظفاً بالدولة ولم يعد مفكراً أو منظراً أو مؤطراً لقيم فكرية تستحق أن تعيش لسنوات طويلة بعد موته.

ومعلم ما قبل الجامعي نفسه يعاني هذا الخلل في الإعداد أثناء الخدمة، فمن السفه أن نقوم بتدريب هؤلاء المعلمين على استخدام تكنولوجيا الوسائط التعليمية في التدريس وهو يجهل أساسيات التدريس نفسها بل وبعضهم يعاني قصوراً في إتقان مادته النظرية، والشواهد والأمثلة التي تحفظها ذاكرتي وتعيها جيداً عن كفاءة معلمي اللغة العربية داخل حجرة الفصل والتي تشير دلائلها إلى تدني المستوى المعرفي والثقافي لهؤلاء، وهؤلاء بالقطع هم المعنيون بتعليم أبنائنا وهم في ذلك لا يكترثون أن يلقنوهم قيماً وعادات ومبادئ تتفق مع هويات وطروحات فكرية تبدو متطرفة بعض الشيء من علاماتها المجتمعية قص شعر الطالبات أو ضرب تلميذ أهان تياراً دينياً سلفياً أو آخر أعلن عصيانه الفكري على الجمود في الخطاب الديني المعاصر.

وسط هذا الخلل المتعمد في المنظومة الثقافية نجد مناهج تعليمية مستعصية على السقوط مثل التاريخ واللغة العربية واللغات الأجنبية بصفة عامة، ونجد تيارات وطوائف دينية دخلت مغارة السياسية، وهي تسعى إلى تطويع تلك المناهج بما يتفق وطرحها الفكري الأصولي، وهؤلاء اليوم أكثر المنادين بضرورة تطوير المناهج بل صار في نظر بعضهم أمراً ملحاً ومشروعاً في الوقت الذي كانوا فيه قديماً يحاربون كل إشارة إلى كلمة تطوير أو تعديل.

وفي ظل هذه المحاولات تظهر الأصوات الليبرالية التي تحذر من أخونة التعليم والمناهج الدراسية، وترهب من سلفية المناهج وتطرح سؤالها المحموم: هل من حق فصيل سياسي توجيه التعليم وفق رؤاه؟ والحق أن هذا طرح هذا السؤال يبدو واقعاً معاشاً، فبعض التيارات الدينية وجدت في المدرسة ضالتها؛ فالمدرسة هي البيئة الخصبة للترويج لأفكار ومبادئ بغير رقيب إداري لاسيما وأن الوزارة تبدو غافلة بعض الشيء عن مؤسساتها التعليمية، لأنها في حرب مستمرة مع إضرابات المعلمين ومعارك ضارية مع النقابات المستقلة ومطالبها الفئوية التي لا ولن تتحقق في ظل حكومة مرهونة بالشعب وليس بخطة استشرافية.

وتبدو لنا ظاهرة خطيرة في ظل المنظومة المتصارعة للتعليم وهي ظاهرة تسييس التعليم، فبالرغم من ثورة بيضاء أطلت بنسائمها على الوطن العزيز، إلا أن القائمين على التعليم في مصر ومن يساندهم من تيارات دينية ذات صبغة سياسية، يستهدفون خلق متعلم بلا مطالب، وهذا بالقطع لا يتحقق إلا من خلال ممارسات غير تربوية منها قص الشعر والترهيب بالضرب وتوزيع منشورات داخل الفصول تحرم الموسيقى والغناء وتعليم اللغات الأجنبية، وكفى بالدستور دليل على تعريب العلوم ودراسة الطب والكيمياء باللغة العربية التي في الأصل مهدرة ومهملة وبحكم علاقتي بتدريس وتعليم اللغة العربية أكاد أقارب اليقين أن اللغة العربية في ظل الهوس السياسي الراهن في طريقها للانهيار، وكنت أزعم أن دمشق ومجمعها اللغوي الرصين هو الحصن الأخير للغة من الانهيار لكن حتى سوريا تحتاج الآن إلى من يشفق بها ويترحم على أهلها.

فوجئنا بأنماط تعليمية تشابه الدستور الذي سيعد وسط لغط واختلاف وصراع، فالتعليم حينما نشبهه بالدستور المزمع إعلانه، لم يستجب لمتطلبات التنمية، كما لم تستجب مواد الدستور لمطالب الشعب، والتعليم لم يطمح اليوم إلى مواكبة التغيرات العالمية كما الدستور الذي غفل عن قصد الشرائط والمبادئ العالمية العامة لصناعة الدساتير، وتعليمنا بعد الثورة مثل النظرة إلى المجهول البعيد رغم قربه، وبات الملمح التعليمي الوشيك هو كيف نكرس لثقافة مفادها ذهب الرئيس وجاء الإمام.

وهذا يتحقق بالفعل حينما نستمع إلى أبنائنا الطلاب بالجامعات التي يجب أن تغلق لفراغها الأكاديمي وخصوصا أن الأساتذة إما تفرغوا لمشاهدة برامج التلفاز نهاراً أو لأنهم تفرغوا للعمل السياسي الذي أصبح يدر عائداً اقتصادياً كبيراً لهم، وطلابنا يؤكدون على أن السلطة التعليمية القائمة المتمثلة في الأستاذ الجامعي أو المعلم بمدارسنا يكتبون تاريخاً سياسياً وفق هواهم وأن مسألة التغيير التعليمي التي ينادون بها بصورة مفاجئة تربك عقلياتهم.

اليوم ونحن نحتفي بانقضاء الفصل الدراسي الأول، تتبين لنا حصيلته في صراع جلي بين فصيل جماعة الإخوان المسلمين وفصيل الجماعة الإسلامية بتنظيماتها المتناثرة، فنجد محافظين بإحدى محافظات صعيد مصر يقوم بتشكيل لجنة للتعليم مهمتها مراقبة أداء عمل المدارس الحكومية فقط لأن المحافظ يخشى الاصطدام بالمدارس النوعية الخاصة التي يمتلكها رجال الأعمال، فنجد هذه اللجان تشكل من قيادات جماعة الإخوان المسلمين بتلك المحافظات وهم بالطبع يصرون على تنفيذ أجندة الجماعة وطروحاتها الفكرية التي لا تخرج عن مشروعها السياسي.

في الوقت الذي لم تكتف الجماعة الإسلامية باقتناص جماعة الإخوان المسلمين للجان التعليمية تلك، فقرروا أن ينزلوا الميدان بصورة فردية فكان سلاحهم الحصري هو المعلم الذي عادة ما يهرب بعيداً عن المنهج الدراسي ليقوم بتلقين المتعلمين أفكاراً بعيدة عن المنهج لكنها متصلة بالحياة الاجتماعية وبقضايا يراها المعلم أبرز وأهم من المحتوى التعليمي الذي يقوم بتدريسه مثل حجاب البنت الصغيرة في المدرسة الابتدائية وزواجها قبل البلوغ وفكرة سيادة المجتمع الذكوري، وغير ذلك من القضايا التي يرى أقطاب بعض التيارات الدينية أنها مصيرية وحتمية لبقاء مصر.

إن تعليمنا باختصار أصبح محاصراً بأسئلة حارقة، كلها تؤكد على أن هذا الوطن يسير في تعليمية بغير كتالوج أو نشرة توضيحية مثل تلك التي تصاحب علبة الدواء، وجميع هذه الأسئلة الحارقة أيضاً تشير إلى أننا نحدق في الماضي طويلاً ونحدق في الحاضر أطول، أما المستقبل فنحن إما لا نعمل له من الأساس، أو إننا سنكتفي بهذه المرحلة الراهنة مثلما يكتفي المريض بورم سرطاني بالمسكنات والمضادات الحيوية.

بليغ حمدي إسماعيل

كاتب مصري