أما الدم السوري فحلال

بكل المقاييس والاعتبارات لا يمكن أن نعذر الجامعة العربية، سواء بأمانتها العامة أو مجالسها الدائمة والطارئة. ليس الآن وحسب، بل من أكثر من نصف قرن من الزمان. فعلى امتداد سنوات الذبح الصهيوني لأهلنا في فلسطين لم تفعل هذه الجامعة شيئا يمكن اعتباره موقفا رجوليا حقيقيا يجعل العدو، على الأقل يحفف استهتاره واحتقاره لهذه الأمة، ويخاف، ولو قليلا من غضب قادتها الشجعان.

ولكي لا تطول المقدمة أدخل في صلب موضوع هذه المقالة دون تأخير. والمرجو من قرائنا الكرام غير المخدرين بالعروبة المغشوشة أن يستعيدوا شريط القضية الفلسطينية، من ألفها إلى يائها. فلم يمر يوم من الأيام العادية الرائقة الهادئة في الضفة والقطاع والمخيمات دون هجمات واغتيالات واعتقالات، أو قنابل ودبابات، صهيونية أو عربية، على السواء. واليوم الذي لا يموت فيه سوى عشرة فلسطينيين فقط في الضفة أو القطاع أو المخيمات، وفي سجون الاحتلال ومعتقلات الإخوة الأشقاء، يكون يومَ رحمة وهناء وسعادة، فلم يمت فيه من أهلنا لا مئة ولا مئتان، والحمد لله. أما العشرة فأمر سهل ومقدور عليه، والأمة ولادة.

وعلى طول السنين السود الغابرة التي مرت على الفلسطينيين، سواء في الأرض المحتلة، أو خارجها، في المخيمات البائسة في دول العروبة الشقيقة لم تنجز الجامعة العربية سوى بيانات مواساة، وبطانيات، ومعلبات، ومفرقعات ورصاصات لا تنفع حتى في صيد الأرانب والغزالات.

لكن فجأة ودون مقدمات، هبت جامعتنا العربية من غفوتها، هبة رجل واحد، وصاح كبيرها: لا وألف لا لقتل أشقائنا الفلسطينيين، ولا وألف لا لقصف مقرات حماس والجهاد والجبهة الشعبية بالراجمات والطائرات. وهتف الباقون: نعم، إننا نشجب ونحتج وندين. ثم حزم مجلس الجامعة أمره وارتدى كل واحد فيه درعه وحمل سيفه وقام قومة واحدة ليزور غزة، ساعات وبضع دقائق، تعبيرا عن تضامن الأمة مع حماس، واستنكارا لقتل المجاهدين، وردا على رئيس وزراء قطر على اتهامه، وإثباتا له أنهم ذئاب، وأن غيرهم نعاج.

ليس هذا وحسب. بل إن الأخ نوري المالكي خرج عن صمته، ووقف مع مندوبه لدى الجامعة قيس العزاوي بشمم، هاتفا: وا فلسطيناه، وقرر استخدام ما تبقى من نفطنا المسروق سلاحا في المعركة، إلى أن تركع إسرائيل ومن لف لفها، وردعها، وتمتنع، ونهائيا، عن إراقة ولو قطرة واحدة من الدم العربي الفلسطيني الزكيِّ، ولا تدك ولو منزلا واحد على رؤس ساكنيه.

كل هذا مقبول، ومهضوم ومشكور، ولكن أين كنتم طيلة الشهور الثمانية الأولى من عمر انتفاضة الشعب السوري البطل، ورفيقـُكم وحليفـُكم وشقيقـُكم بشار يذبح المتظاهرين المدنيين العزل بالسكاكين والخناجر، وبالقنابل والصواريخ وهم يهتفون، سلمية سلمية، ولا من مجيب؟

وأين كنتم وقد جاوز الشهداء في سوريا الأربعين ألفا، والمعتقلون مئتي ألف، والمشردون في المنافي ثلاثة ملايين، والمفقودون مئات الأوف، وقرى سوريا ومدنها وحواريها، من ألبو كمال إلى دمشق، ومن درعا إلى الحسكة، أصبحت محض ركام وخرائب ومدافن؟ وأين كنتم وقنابلُ البطل المغوار، أخيكم في الجهاد والممانعة، وصواريخُ طائراته السمتية والمقاتلة تمطر على الأسواق والمدارس والمستشفيات ودور العجزة، حجارا من سجيل، ليلا ونهارا، ولا تتوقف؟

إن الذي أعجبنا، في الأمين العام لجامعتنا العربية الزاهرة، هذه المرة، يقظتـُه "الغزاوية" المفاجئة، وحميته وحرقة فؤاده. فهو، هذه المرة، لم يقترح أن يرسل إلى غزة مراقبين عربا يقودهم "دابي" جديد، أو دوليين يقودهم "كوفي" إضافي، ولا "إبراهيمي" بائس آخر، للمراقبة والتأكد من أن نتياهو، وليس غيره، يقصف غزة ويغتال شبابها، ويدمر منازل أهلها، ومراكز الحكومة. ولأنه لم يضع اللوم على صواريخ حماس ولم يقرر البحث عن ممولها وعن دوافعها التي ربما تكون لإحراج الأمة واستدراج نتنياهو لقتل المدنيين والاعتداء على السيادة.

لم يقف نبيل العربي، هذه المرة، كما وقف حين أبلغوه بأن عدد شهادء سوريا بلغ عشرين ألفا ليقول: يا شباب، صلوا على النبي، واجنحوا للسلم، وتحاوروا مع السلطة الشرعية وفخامة الرئيس، وعفا الله عما سلف.

طبعا لا أحد منا غاضب من نبيل العربي، ولا من باقي القادة العرب النشامى، لأنهم خصوا غزة بهذه الحمية والشهامة. ولكنَّ كلَّ من لديه شرف وكرامة وإنسانية ودين من قراء هذه المقالة غاضب جدا من الأمين العام ومن رفاقه الميامين لأنه ولأنهم لم يجتمعوا من أول رصاصة أطلقها الفاجر الأسد على أطفال درعا الصغار الأبرياء، ولم يجتمعوا من أول صاروخ، ولا من أول طائرة، ولا من أول مدينة يساويها بالأرض. كما لم يجتمعوا بعد ذلك وقد غمرت دماء الشهداء سهول سوريا ووديانها، وساحت فيها حتى بلغت أقاصي حدودها مع دول الجوار.

غاضبون، نعم، لأن العربي لم يتكرم ولم يتجرأ ليقول إن نظام بشار الأسد سوف يزول إلا بعد عام ونصف العام من التذبيح والتشويه والتدمير والتهجير، وإلا بعد أن حكم العالم كله برحيل هذا الوحش القميء، وإلا بعد أن طفح الكيل، وبلغ السيل الزبى.

هنا نسأل، هل طائرات بشار تلقي مَنا وسلوى على أطفال حلب وحماة ودرعا واللاذقية ودمشق، وطائرات نتنياهو، وحدها، ترمي حمما من نار؟ وهل مَدافع بشار التي تمطر على السوريين قنابلها العنقودية، كل يوم وكل ساعة، حلال، وقنابل نتياهو حرام؟ أم إن القتل بردٌ وسلام بيد الأخ القريب، ومؤلم ومُوجع فقط حين يأتي من غريب؟. وهل في شرايين السوريين ماء، وفي شباب غزة وحدهم دم، يا أيتها الجامعة التي ما جمعتنا ذات يوم؟

إبراهيم الزبيدي