سلفية مصر: الدولة المدنية كافرة!

الديمقراطية والاحتجاجات حرام في حرام

شكلت ثورة 25 يناير في مصر مرحلة مفصلية في تاريخ الحياة السياسية للحركات السلفية المصرية؛ التي عانت طيلة العقود الأربعة الأخيرة من ملاحقة لقياداتها وكوادرها، وحظر لنشاطاتها نتيجة لمواقفها المتطرفة من النظام السياسي القائم بشكل عام ودعواتها لاستخدام العنف؛ والتكفير تحت مسمى الجهاد لتغيير هذه الانظمة ومحاربتها.

إلا أن ثورة يناير نقلت الحركات والتنظيمات السلفية من حالة السرية إلى العلنية ومن الهجوم على النظام الى الدفاع عنه والمشاركة فيه بشكل واسع، وجعلتها في مواجهة ازمة اخلاقية مابين طروحتها الفقهية التي لا تؤمن بالأسلوب المعاصر لإدارة الدولة الحديثة التي تستند الى الديمقراطية والمساواة والحريات وتدعو للعودة إلى نظام إدارة الدولة الاسلامية قبل 1400 سنة مضت، وبين مشاركتها في العملية السياسية الديمقراطية الناشئة بعد سقوط نظام عسكري، استمر لأكثر من ستين عاماً مارس نوعاً من الديمقراطية الشكلية، وأبرز الاشكاليات التي واجهت الحركات السلفية وخصوصاً بعد فوزها بربع مقاعد البرلمان هو موقفها من نقاشات عملية اعادة بناء الدولة المصرية بعد الثورة؛ وهل يتم تبني دولة دينية ام مدنية؟

في هذا الاطار لا يختلف التيار السلفي عن التيار الاخواني في اعتماده المرجعية الاسلامية كأساس للحكم، إلا أن الإخوان أكثر برغماتية من السلفيين في التعبير عن ارائهم السياسية بما ينسجم ومصالحهم المرحلية، التيار السلفي كان أكثر وضوحاً وصراحة من العديد من القوى الاسلامية في تحديد رفضه لمفهوم الدولة المدنية وتمسكه بثوابته الإسلامية، ووصل الأمر ببعض مشايخ السلفية في مصر حد تكفير دعاة الدولة المدنية، باعتباره خروجاً على الملة أو بدعة ، وفي هذا الصدد يقول الشيخ المحلاوي أبرز شيوخ السلفية: "من يطالبون بالدولة المدنية في مصر كفرة وعبدة الطاغوت"، منتقداً توجهات بعض قوى الإسلام السياسي وضمنهم الإخوان المسلمين حول تبنيهم فكرة الدولة المدنية بمرجعية إسلامية.

فقد افتى الشيخ ياسر برهامي أحد شيوخ السلفية في الاسكندرية حول مفهوم الدولة المدنية قائلاً: "إن مفهوم الدولة المدنية نشا في الغرب الأوروبي لترسيخ فصل الدين عن الدولة"، معتبراً: إن "دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية كلام يناقض معناه، فهي دولة لا دينية ذات مرجعية دينية اسلامية، اليس ذلك تناقضاً؟". كما يشبه برهامي دعوات إقامة الدولة المدنية بمرجعية إسلامية، بأنها تشبه دعوات اقامة دولة علمانية بمرجعية إسلامية، وهذا أمر غير منطقي وغير مقبول، كما يؤكد على نفي مقولة بعض الحركات الإسلامية أن أركان الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية هي الحرية والمساواة في محاولة لتسويق هذه الطروحات في حملاتهم الانتخابية مؤكداً عدم وجود حرية ومساواة مطلقة في الإسلام. فليس في الإسلام حرية الطعن في الرسول الكريم أو التشكيك بالقرآن، وليس هناك حرية في الردة أو حرية اباحية ، اما المساواة "فواجبة فيما ساوى الله فيه، وأما ما فرق الله فيه فباطلة شرعا وعقلا وحسا"، ويعني بذلك التفريق بين المسلم وغير المسلم ، أو الرجل والمراة، أو السيد والعبد، التي يعتقد بأنها مؤطرة بأحكام سماوية.

يرفض السلفيين رفضاً قاطعاً مبدأ الديمقراطية الغربية، فقد وصف الشيخ محمد سعيد رسلان، أبرز شيوخ السلفية في مصر، الديمقراطية التي يطالب بها الثوار في مصر بعد مبارك قائلاً: "إن النظام الديمقراطي نظام الحادي جاهلي لا يصلح في بلد إسلامي يؤمن أبنائه بالله وبوحدانيته ويتبعون رسول الله"، ومؤكداً: "إن الفوضى التي يراد احداثها في مصر هي تفكيك المجتمع المصري ثم اعادة تركيبه على الاجندة الغربية في العقيدة والفكر والحياة والأخلاق والسلوك، هي ازالة الاسلام وإحلال الديمقراطية ... لكي يتحول وجه مصر الى وجه ديمقراطي علماني مدني لا علاقة له بالدين ... يريدون علاقة مجردة بين العبد وربه". وأضاف رسلان: "ماذا تعني الحرية؟ هي تعني أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، وهي تعتمد على عناصر أساسية" ملخصها:

1- السيادة للشعب وليس للشريعة أو العقيدة أو الله بل للشعب،وإذا كان الشعب هو الذي يشرع قانونه، وهو الذي يتولى قضائه ما الذي يبقى لرب العالمين.

2- الحرية وهي مكفولة في النظام الديمقراطي ، وتعني حرية الانعتاق من كل قيد والتحلل من اصول الفضيلة.

يربط الفقه السلفي بين رفض الديمقراطية وقدسية الحاكم، أو مفهوم ولي الأمر منتقدين الجماهير العربية التي خرجت على حكامها المستبدين والمزمنين على كراسي الحكم بكل فساده حيث يرى الشيخ رسلان: إن "شعب بلا حكومة شعب بلا كرامة، وسلطان غشوم خير من فتنة تدوم، هل يريد الشباب اليوم إثارة الفتن وزعزعة الأمن بما يفضي الى سقوط الحكام وأن كانوا جائرين".

ويستند كثير من مشايخ السلفية إلى نصوص تاريخية قسم منها ينسب الى الرسول الكريم (ص) أو الى فقهاء وعلماء المسلمين، مع تحفظنا على نسبتها لتاكيد حق الحاكم الجائر في وجوب طاعته من قبل شعبه، فيرى الشيخ محمد عبد الرؤوف، وهو من مشايخ السلفية الحاليين، بأن الشريعة الإسلامية الزمت الناس بطاعة من تغلب على الحكم واعطاء البيعة، ويستند في ذلك إلى حادثة تاريخية عرضية لا يمكن اعتبارها حجة على الناس، عندما تنازع عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير على الخلافة، توقف عبد الله بن عمر ولم يبايع أحداً منهما، حتى إذا غلب عبد الملك واستقام له الأمر بايعه والزم رحائمه بيعته، مؤكداً أن نصوص الشريعة تحرم على المسلمين امتهان حكامهم بأي وسيلة كانت.

فالخروج على ولي الأمر محرم بالإجماع عندهم، والإطاحة بالحاكم لا تجوز وفقا للفكر السلفي "لا يخلع إلا بالكفر او بترك إقامة الصلاة"، وهم يفرقون بين الخلع الذي يتم من خلال النخبة الحاكمة، وبين الخروج على الحاكم واسقاط النظام أو استبداله ويتم ذلك وفقا لرأيهم من خلال أهل الحل والعقد فهم من ينصبون الحاكم او يخلعونه باعتبارهم أهل الشوكة والقوة كالقوات المسلحة في عصرنا الحالي.

لكن الشيخ عبد العزيز الراجحي كان أوجز خمسة شروط، أقل ما يقال عنها تعجيزية للخروج على الحاكم وهي:

1- أن يأتي ولي الأمر كفراً، والفسق والمعصية ليست من أعمال الكفر.

2- أن يكون الكفر واضحا، والشك يحسب لصالح الحاكم .

3- أن يكون لهذا الكفر دليله الواضح والصريح في القران والسنة وبخلافه لا يعد كفراً.

4- وجود البديل المسلم الملائم للحاكم.

5- وجود القدرة والاستطاعة عند الناس للخروج على الحاكم.

هذه الطاعة العمياء للحاكم الجائر تصل قمتها الشرعية عند السلفيين عندما ينسبون للرسول الكريم (ص) قولاً لتأكيد حجتهم في طاعة الحاكم: "تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك". إذن ليس لك أن تخرج عليه، وإن ضرب ظهرك واخذ مالك واهان كرامتك واستباح ذاتك، كيف تتعامل الشعوب العربية مع حكام استباحوا دماء شعوبهم واموالهم وكرامتهم ؟ يأتي الجواب في الفكر السلفي كالآتي: "انذار الحاكم وعدم الغدر به، بطريقة ما يسمى بالثورات او الانقلابات العسكرية ... وكذلك بالزيارة والمكاتبة والنصح ". ووفقا لفقهاء السلفية وعلمائهم اوجبوا لذلك شروط "يختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رؤوس الاشهاد ، بل يود لو كلمه سرا ونصحه خفية من غير ثالث لهما". يستندون في حديثهم هذا الى قول ينسبونه للرسول الكريم (ص) منقول عن مسند الامام أحمد وفي السنة لابن ابي عاصم قوله " من اراد ان ينصح السلطان فلا يبد له علانية ، ولكن ليأخذ بيده فيخلوا به فإذا قبل فذاك ، وإلا كان قد ادى الذي عليه " .

ومن هنا يأتي تحريم السلفية لمبدأ الاحتجاج والتظاهر كممارسة ديمقراطية للاعتراض على الانظمة والحكام الفاسد ، فقد افرد الشيخ عبد الرؤوف في كتبه وخطبه حيزاً لمناقشة الاحتجاج الشعبي وفكرة التظاهر السلمي في اطار حرية التعبير الديمقراطي من وجهة نظر الفكر السلفي فهو يرى: "إن المظاهرات ليست وسيلة اسلامية تنبىء عن الرضا او عدم الرضا من الشعوب المسلمة لان هناك وسائل أخرى باستطاعتهم ان يسلكوها. لأننا نرى أيضا الشابات يشتركن في المظاهرات، وهذا منتهى التشبه بالكفار والكافرات. وهي ليست وسيلة شرعية لإصلاح المجتمع، ولا يكون تغيير المجتمع في النظام الإسلامي بالهتافات والصيحات والتظاهر، وإنما يكون ذلك على الصمت وعلى بث العلم بين المسلمين، أن التظاهرات التي تقع في بعض البلاد الإسلامية خروج على طريق المسلمين وتشبه بالكافرين". أخيراً هناك شبه اجماع من علماء السلفية على حرمة المظاهرات من أصلها، ولا يمكن الاحتجاج بكونها سلمية.

محمد فاضل نعمة