أحمد بهجت يعبر جسر التراجيديا إلى الأبد


وداعا

هذه بعض من سيرة إنسان عاش حياته بين حدّي الألم والأمل، وبين مرارة الاخفاق والطموح الى الحرية، وفي رحلة لم تخل من معاناة من اليقين إلى الشكّ، ومن العمومية إلى البحث عن الخصوصية والذاتية، ومن الركون للعادي إلى التمرد عليه. هكذا عاش صديقي الأعزّ، الإنسان والشاعر، والحالم أحمد بهجت في النصف الثاني من عمره.

كان كل شيء عاديا ومريحا بالنسبة لأحمد، فقد تخرج من كلية الهندسة المدنية في دمشق، وحصل على وظيفة، وتزوج، وانجب ابنتين جميلتين ورائعتين، وكان محبوباً من أصدقائه، وما أكثرهم.

لكن احمد لم يرض العيش بهذه الرتابة، إذ سرعان ماسئم وظيفته، التي لم تعن له شيئا، سوى تمضية الوقت، إذ كانت روحه تفيض بالشعر، وبالمعاني، وبالكلام. ولم يكن ذلك بمستغرب على احمد الذي كان يعشق اللغة العربية، وآدابها، حتى أنه درّسها لكثير من أصدقائه وأبناء أصدقائه، أفضل من أساتذتهم المختصين، إذ كان لأحمد طريقته الممتعة التي تحبب الكثيرين باللغة العربية ومعانيها وقواعدها.

فوق ذلك فقد كان احمد شاعراً بالفطرة، وكان ثمة لديه مخزون غني من أبيات الشعر من عصر «الجاهلية» إلى عصرنا الحاضر، مع المام واسع بسيرة كثير من هؤلاء الشعراء. لكن الشاعر الأكثر قرباً الى قلبه، من القدماء، كان ابو الطيب المتنبي "كتب مؤخراً قصيدة طويلة ورائعة عن المتنبي" أما من الشعراء المعاصرين فقد كان خليل حاوي صاحب «يعبرون الجسر خفافا اضلعي امتدت لهم جسرا وطيد»، مع ان كثيرين من أصدقائه كانوا يجادلونه بشأن هذا الاختيار، حيث كان رأيهم أن هذه المكانة يجب ان تحفظ لمحمود درويش؛ وطبعا فقد كان ثمة مكانة خاصة لديه لبدر شاكر السياب.

لم تقتصر ثقافة احمد الأدبية على الشعر، وإن كان هو مجاله في التعبير، إذ انه كان قارئا نهما للروايات، وكانت «زوربا» روايته الأثيرة، وتنازعها على هذه المكانة «دون كيخوته». أما في الفلسفة فقد جذبه نيتشه، وكتابه "زرادشت".

لعل كل ذلك يفسر لنا خيارات احمد، وتشابه مصيره التراجيدي، مع مصائر أبطاله في الادب، خليل حاوي، ودون كيخوته، وزوربا اليوناني، وفي الفلسفة نيتشه، فأحمد ايضا كان لديه فلسفته، القلقة، ورحلته الخاصة في البحث عن حريته، وعن ذاته وكينونته الخاصة، وعن مصير الإنسان، وعن معنى الوجود، والخلاص الفردي.

هكذا بات لدى احمد، في أواخر الثمانينات، هاجساً ألمانياً، وبدا كل شيء بالنسبة له مرتبط بحلم جديد، هو الذهاب الى المانيا، لدراسة الأدب الألماني، بعد أن ودّع السياسة، التي لم يستطع أن يتكيّف مع تلاعباتها ومخاتلاتها.

في البداية قرّر احمد أن يتعلم اللغة الألمانية، ولهذا الأمر فقد سجّل في معهد غوتة في دمشق، وواظب على حضور الدروس المضنية، وظل في غضون ذلك يتحدث عن المانيا التي سحرته، والتي يحب ان يغادر اليها، لدراسة الادب.

لم يصدق أحد من أصدقاء أحمد، وانا من ضمنهم، انه جاد في ما سيفعل، وأنه حقا سيقدم على هكذا مغامرة، ويذهب بعيداً، تاركاً بيته، وابنتيه، مع معرفتنا برقته، وحنانه، ومحبته لهما. لكن ذلك حصل فعلا، على الضد من فكرتنا عنه، إذ انه ذهب حقا الى المانيا، التي عشقها كما لم يعشق شخص ما أي بلد، او حتى بلده، تاركاً كل شيء وراء ظهره، حيث عاش في برلين حوالي نصف عمره، قبل ان يرحل عن هذا الدنيا.

طوال اكثر من عقدين لم يمل احمد من حياته البرلينية، ولم يشكو البتة منها، على العكس من ذلك إذ انه ازداد عشقا لها، كانت المانيا بالنسبة لأحمد روح الحضارة، ومولد التاريخ، وموطن الفكر والفلسفة والعلوم والتكنولوجيا، رغم انه عبر عن تأسّيه لخضوع شعبها لشخص مثل هتلر، الذي فعل ما فعل، فقد كان يرى ان المانيا ظلمت مرتين مرة بالنازية ومرة ثانية بالتقسيم.

والحقيقة فإنني خلال تلك الفترة الطويلة لم أكف عن سؤال احمد عن معنى وجوده في المانيا، ممنّياً نفسي بإمكان إقناعه بالعودة إلى دمشق، لكنني في كل مرّة كنت اشعر بأنه يزداد تعلقا بألمانيا.

فقط، في غضون ذلك، كان ثمة أمر غالي يعزّ على احمد، وعلى قلبه، وروحه، ويشعره بالحسرة، والفقدان، والغربة، هو ابتعاده عن ابنتيه دالية ولبنى، اللتين كان يحرص على مكالمتهما بشكل شبه يومي، وحتى مساعدتهما في دراسة الادب العربي، ولو عن بعد، مع قيامهما بزيارته بين فترة واخرى في المانيا، او زيارته لهما في دمشق.

وقد تسنّى لي، قبل عامين، الذهاب اليه في برلين، حيث قضيت معه ثمانية أيام بلياليها، وظننت وقتها أن هذه فرصتي السانحة لمحادثته وجها لوجه، وحثه على العودة، لكنني فوجئت به يحببني بألمانيا. وفي هذه الزيارة فرّغ احمد نفسه لي لتعريفي على برلين، وما حولها، وأقصد اهم المعالم، وفعلا فقد كانت رحلة ممتعة، ليس فقط لما استطعت ان اشاهده فيها، وإنما لأنني شاهدت ما شهدت بعيني احمد، وبروحه الشعرية. فقد كان من سمات احمد الهيام بالفنون، والانبهار بالجمال، وكان يضفي على كل ذلك عذب الكلام، وحلو المعاني، ورقة المشاعر، وسمو الأحاسيس، وكان ينبهني ونحن نسير إلى ان تحت كل شبر من ارض برلين ثمة ضحايا، علينا ان نشعر بهم، وأن نتمهل الخطو.

هكذا ففي تلك الأيام تأكد لي أن روح هذا الصديق باتت معلقة في هذا البلد، وان من الافضل له ان يبقى حيث هو وان يعيش حياته على النحو الذي يريد، فقد باتت روحه هنا.

كتب أحمد الكثير من القصائد، الجميلة والعذبة والمعبرة، وكان يقرأها على اصدقائه في اللقاءات والسهرات الحميمة، لكنه كان يرفض ان يعرضها للنشر، كان يقول ان الوقت لم يحن بعد، فقد كان لدى أحمد دائما المزيد من الوقت، فهكذا كان هو.

إذا فقد رحل أحمد صديقي الأعزّ، الجميل، عاشق الحياة، الممتلئ بالحرية، الباحث عن المعاني، صاحب الابتسامة الواثقة، والكلام الرخيم، الودود، والوفي، والهادئ، الأديب، والشاعر، والثائر، والساخر، تاركا هذه الدنيا بعد أن عاشها كما يريد، وقد بكته عيناي لكن قلبي بكاه اكثر.

عزائي ان الحياة فيها موت أيضا، وأنها لو لم تكن كذلك لما سميت حياة. وهذا بعض من قصيدة احمد "تحيا الحياة".

تحيا الحياة لأنها

حيُ يبارك كل آت

تحيا الحياة لأنها

وهبتك فرصة أن تدب على الأديم

فتعيش في العقل البهي

وتنام في السر السديم

يوما ستترك من تراه وما تراه

كأن شيئا لم يكن

وتمر طيفا عابراً

أو بعض طيف

ثم يطفئك الزمن

تحيا الحياة...