بين مصيدة الموت وزيارة غزة... قطر إلى أين؟

هل هو هروب إلى الأمام؟ هروب من مشاكل الداخل تجاه الخارج، ربما هذا ما تسعى إليه الإمارة صغيرة المساحة التي تسعى الى حجم أكبر منها، حيث أن قطر التي طرحت نفسها عرابة للإخوان المسلمين في المنطقة، وباتت تتدخل بكل كبيرة وصغيرة في الدول المجاورة، حتى أنك لا تسمع بحادثة أو أزمة في أي دولة من دول جوارها حتى تكون لها اليد الطولى هناك، من خلال دعم هذا وتجاهل ذاك، وتحريك آلتها الإعلامية المتمثلة في قناة الجزيرة لتمهد لها الطريق إعلامياً؛ هكذا هي قطر التي توجهت محملة بوافر الأموال إلى قطاع غزة المحاصر.

زيارة أمير قطر إلى غزة ربما تكون قد عززت الانقسام الفلسطيني حيث أنه دعم وإعلان صريح لحركة حماس التي انقلبت على السلطة أمام شرعية أبو مازن التي بدأت تتراجع، وقد كان لافتاً مقاطعة فصائل منظمة التحرير لتلك الزيارة. أنه انقسام سياسي بكل ما تحمله الكلمة من معنى وله إنعكاسات شعبية عززته الزيارة القطرية التي لم تدخل زيارة مقر السلطة الفلسطينية في برنامجها. بدورها إسرائيل، التي سبق ومنعت حتى سفن المساعدات الإنسانية من الإقتراب لتنقذ أهل غزة، كما منعت العديد من الشخصيات من زيارة غزة أو الخروج منها، فأنها مهدت الطريق أمام زيارة أمير قطر ما يفتح باب التساؤلات حول المقابل.

أمير قطر وزوجته غادرا مسرعين من القطاع. فمع أن هذه الزيارة تهدف إلى الإستعراض الإعلامي، لكن الخطر موجود وقائم، لذلك ربما كانت الزيارة الأصعب عليهما. فأهم ما تسعى له قطر هو إعطاء شعبية لحكام غزة المحسوبين على الإخوان المتأسلمين خاصة بعد أخونة مصر، وبذلك يكتمل جزء من هذه السلسة التي أخذت تلتف على عنق الوطن العربي الكبير، الذي أصبح مهدداً في كيانه أكثر من أي وقت مضى حيث ربما نصل إلى مرحلة ليس لكلمة عروبة من معنى في تاريخ العرب.

المستغرب من تصرفات إمارة قطر التي تساوي مساحتها جزيرة كورسيكا أنها تركز على الملفات الخارجية وتهمل بشكل كبير الشأن الداخلي سواء المتعلق بحقوق الإنسان وحرية التعبير وأيضاً في الديمقراطية التي تسعى الإمارة حسب تعبيرها إلى تمكين الدول العربية منها. لكن هذا الأمر محظور داخلياً حتى الحديث عنه، أي أنها تسعى إلى نشر ما يسمى بالديمقراطية والثورات العربية فيما تمنعها على أراضيها. وقد لفتنا في صحيفة ميدل ايست أونلاين النظر إلى الرسائل التي تتساءل عن نتائج التحقيق في حريق فيلاجيو الذي قضى على إثره 19 شخصاً معظمهم من الأطفال. وقد جاء في رسالة مفتوحة من ذوي الأطفال الـ13 الذين تتراوح أعمارهم بين 15 شهرا و7 سنوات أن المتهمين القطريين أظهروا عدم احترام للأطفال وللمحكمة، كما يدعون أن لا يذهب موت أطفالهم عبثا ويطالبون بالشفافية ومعرفة ما حصل حقاً في تلك الحادثة المؤسفة.

نعم، التقصير وسوء التخطيط وعدم الإكتراث لشروط الأمان ربما كانت وراء مصيدة الموت تلك الحادثة المفجعة، لكن يبدو أن الإمارة لا تكترث لهذا الموضوع ولا تعطيه أهمية تذكر فيما يقول مراقبون أنه من الغريب كيف ستقوم قطر باستضافة كأس العالم لكرة القدم وغيره من الفعاليات ضمن شروط سلامة ضعيفة وبنية تحتية لا يمكن أن تتحمل مثل تلك الأحداث.

كما سبق وقلنا فحقوق الإنسان وملفات الداخل سواء العمالة وحقوقها، كما الديمقراطية ورغبة الشعب والكثير من الملفات هي من المحرمات داخلياً، لكنها من المتطلبات الأساسية التي تسعى إلى تعميمها قطر مما يضعنا أمام تساؤلات كبرى في هذا المجال.

د. سالم حميد

كاتب من الإمارات