صرخة فزع إلى التربويين والسياسيين في تونس: أين الشباب؟

مهما كانت قيمة الجهود المبذولة لإنقاذ تونس من الانفلات التام الناجم عن عدم التوافق حول شرعية ومشروعية النظام الذي يحكم البلاد والعباد منذ انتخابات 23 أكتوبر 2011، وحتى من حرب أهلية لا قدر الله، فإنّ نجاحها يبقى رهنًا بالخروج من مأزق خطير: مجتمع سياسي يدعي من جهة أنّه يعلم علم اليقين أنّ الشباب هُم قوام الثورة لكنه يتعنت من جهة أخرى في استكمال ثورةٍ من دون تشريكهم الفعلي في ذلك. وقد يعزى هذا الخلل إلى عدم اكتراث غالبية الطبقة السياسية بالتربية التحررية كمنهج متصل عضويا بالمنهج العام للتغيير.

إنّ رموز وقيادات الأحزاب السياسية يمارسون فعلا الإقصاء تجاه التربويين. وهذا مؤشر على تغاضيهم عن حلقة وظيفية لازمة لاستكمال البناء الديمقراطي وبالتالي على اعتدادهم بالمسعى السياسي دون سواه وعلى عدم إذعانهم لمقتضيات الأمر الواقع التي تفرضها شروط الانتقال من الحكم الاستبدادي إلى الحكم العادل والرشيد. كما أنّ التربويين من جانبهم عديمو الثقة في إمكانيات التربية التحررية في مجال تصحيح العمل السياسي ابتغاء تسهيل انتقال المجتمع إلى نظام جديد. وهُم أيضا عديمو الثقة في إمكانياتهم التربوية العضوية. ويعود ذلك إلى طغيان الجانب التعليمي، المنفذ لسياسة الدولة، على الجانب الإبداعي الذي من شأنه أن يكون موجِّها ومُكيفا للسياسة عموما ولسياسة الدولة على الأخص. فالإبداع يشترط المبادرة ولا يمكن أن يكون تابعا للسياسة كما حصل في تونس وفي كامل الوطن العربي منذ عقود.

ومَن الذي راح ضحية هذا الفقر المنهجي لدى الطرفين الأبرز في معادلة التكوين الديمقراطي غير الشباب. ناهيك أنّ هذا الفقر قد امتزج بمكيفات خارجية كهيمنة الفلسفة المادية وتفريعاتها المختلفة كالأنانية والفردانية. ولمّا نعلم أنّ الشباب هم فعلا "من قاموا بالثورة" وأنهم قوام كل تحوّل مجتمعي ناجح في بلد ذي أغلبية سكانية شبابية، لا يسعنا إلا أن نطلق صيحة فزع مدوية في مسامع التربويين والسياسيين وسائر الفاعلين في المجتمع:

أتريدون أم لا أن تنتقل البلاد بلا رجعة إلى مرحلة متقدمة من الحكم العادل و الرشيد؟ إن كنتم حقا تؤمنون بالشباب كقيمة مركزية في تشكل المجتمع السليم، ولا ترغبون في الآن ذاته في تسليم المشعل لهم لأنكم تخشون الانسحاب من ساحة الفعل السياسي، فاعلموا أنكم منسحبون بعدُ، بالتمام والكمال، طالما أنّ كل عمل قمتم به أو ستقومون به في مجال التغيير لا قيمة له ولا جدوى من ورائه لمّا يتمّ بمعزل عن الإرادة الشبابية، مثلما حصل إلى حد الآن.

وإن كنتم ترغبون في حيازة كراسي الريادة والحُكم، فذلك من حقكم، لكن تيقنوا أنّ الشباب لن يتركوكم تمتطون صهوات هُم أَوْلَى منكم بامتطائها ولن يتركوكم تتسابقون على تلكم الكراسي من دون اختلاط أنفاسكم بنفحات لقاحية قوية من أنفاسهم.

إنّ المعادلة الصحيحة سهلة لكن أنتم المعقدون: الإنصات إلى الشباب وبالتالي تحرير مشاعرهم وأفكارهم، ثم تبني تصوراتهم وإيصالها إلى الشعب كافة لكي يتفاعل معها هذا الأخير بالتمحيص والاستقصاء والغربلة والزيادة والنقصان، فتُبنَى آلاف القرارات في ضوئها. وما المدرسة وما المسجد وما الإعلام إن لم تصبح مناراتٍ مضيئة في مجال التشارك بين الأجيال في المجتمع الواحد، مجال غزل الرأي العام قبل تحويله في صيغته المندمجة إلى أعلى هرم السلطة؟

محمد الحمّار