ليس دفاعا عن... السيدة الوزيرة!

ساهمت السيدة بسيمة الحقاوي، الوزيرة المغربية للتضامن والمراة والأسرة والتنمية الاجتماعية، مؤخرا في برنامج حواري بثته قناة تلفزيونية مغربية، قصد مناقشة موضوع صورة المرأة في عيدها الوطني. ومنذ ذلك الحين والموضوع محط اهتمام بالغ، وحدب مشهود من قبل بعض الكتاب العلمانيين "المدافعين" عن الديمقراطية والحداثة.. والسبب، إشارة مكروسكوبية صدرت عن السيدة الوزيرة وهي تدافع (ويا لسخرية الأقدار!) عن أحد الكتاب "المختصين " بالحركات الإسلامية (سعيد الكحل)، حيث وصفته بغير المتدين قاصدة بذلك أنه غير محسوب على التيار الديني. وقد استدركت السيدة الوزيرة ذلك في حينه، كما أنها صرحت أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة أنها غير معنية ولا يحق لها أن تتدخل في الشأن الديني للأفراد!

قامت الدنيا ولم تقعد مستفسرة عن "النوايا" الحقيقية التي تتحكم في مشاريع وخطط واستراتيجيات وزراء الحزب الإسلامي المعتدل، العدالة والتنمية. بيد أن الكاتب "الجريح" الذي انتفض من أجل الدفاع عن نفسه، سلك مسلكا غير شريف ونهج نهجا عديم اللباقة والنزاهة، فادعى "ان خطورة ما جاهرت به السيدة الوزيرة ليس في تكفيري فقط، بل تكفير كل المواطنين الذين لا ينتمون إلى التيار الديني"! في واقع الأمر إن كلاما كهذا يلقى على عواهنه لا يستحق أدنى اهتمام، بقدر ما أنه يثير ضروبا من الشفقة والحسرة على المآل المتدني لبعض الكتبة "الحداثيين" جدا، والذين فشلوا في إقناع الشعب بـ"مشاريعهم" عديمة الصلاحية وشعاراتهم المتقادمة! فاندفعوا اندفاعا إلى تعويض هذا الضعف الاجتماعي المدوي باختلاق معارك وهمية وزائفة.

لقد تمكنت السيدة الوزيرة من التعبير عن وجهة نظرها حول المرأة المغربية واقعا وأفقا، والتعريف بما قدمته الحكومة المغربية الجديدة للمرأة والأسرة عموما من منظور واقعي، معترفة بمواطن القصور والضعف وجوانب القوة والنجاح، وبهدوء ورزانة من يتحمل مسؤولية حكومية هامة، على الرغم من كونها وجدت نفسها وحيدة أمام باقي الضيوف المشاركين في البرنامج، والذين ينتمون إلى نفس الفصيل الأيديولوجي، والانتماءات "الفكرية"! لم تسقط في حبال الاستفزاز أو تنهار أمام "خصوم" اتحدوا على إنهاكها، وكان المؤمل وبعد ربيع عربي عصيب وحراك شعبي هادر، أن يستفيد الإعلام المغربي من المناخ الجديد الذي شهدته المملكة ممثلا في مقتضيات الدستور الجديد والانتخابات التشريعية الديمقراطية النزيهة ومواد دفاتر تحملات الإعلام العمومي..

غير أن شيئا من ذلك لم يقع. فما فتئ الإعلام التلفزيوني المغربي بعيدا عن أجواء الديمقراطية الحقة. فحسب أبجديات الإعلام التلفزي الدولي (المتعارف عليها دوليا!)، فإن البرامج الحوارية الناجحة تستدعي استحضار شروط ديمقراطية بحصر المعنى، حيث الموضوعية والحياد في اختيار علمي للمساهمين في البرامج الموجهة للشعب ودافعي الضرائب، وتوفير مناخ الرأي والرأي الآخر، والدفاع عن التعددية والمساواة والتوازن بين مختلف التيارات المجتمعية بشكل حضاري والبقاء للأفضل.

وفي آخر مقال له يصرح الكاتب "الجريح" بأن "ما جاهرت به السيدة الوزيرة سيزيدني وعموم الحداثيين إصرارا على مواصلة المعركة الديمقراطية من أجل تكريس قيم المواطنة وإشاعتها حماية لثقافة الانفتاح والتسامح والتعددية..". فأما الدفاع عن الديمقراطية ومستلزماتها الحقوقية فهو الهدف النبيل الذي يستحق أن نتجند له جميعا إسلاميين وعلمانيين ووطنيين.. لما في ذلك من أهمية بالغة بالنسبة للأمة المغربية، وأما أن يكون ذلك ديدن كل الأطراف المعنية بالشأن السياسي الوطني ففيه "نظر"! وإلا كيف نفسر الخوف الذي يساور بعض أدعياء الحداثة عندنا، وعدم قدرتهم على المواجهة الفكرية الشريفة، أين كانت ثقافة الانفتاح والتسامح والتعددية.. أثناء محاورة السيدة الوزيرة وأمام أنظار العالم؟ أين اختفت "الاتجاهات المعاكسة" والرأي والرأي المخالف؟ لقد تم إقبار القيم الإنسانية (المتعارف عليها دوليا)، و"مباشرة معكم"!

إن مغرب ما بعد 20 فبراير لا يمكن بناؤه بالشكل الأمثل إلا بطريقة جماعية وتشاركية، وبسواعد وعقول كل أبنائه، ومن دون أي استثاء، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية وميولا تهم الأيديولوجية واختلافاتهم الاجتماعية والجهوية.. لقد ولى عهد الإقصاء والنزعات الاستئصالية ونهج أساليب الاستبداد سيئة الذكر. "نقول هذا إذا كان هدفنا الديمقراطية، أما إذا كان هناك من يسعى إلى غير ذلك فليس عليه إلا أن يفصح عن مبتغاه" حسب تعبير أحد المنافحين المغاربة عن الحداثة المعطوبة!

الصادق بنعلال

باحث في قضايا الفكر والسياسة

Sadik.benallal@live.fr