الدولار الأردني!

استقرار (وثَبات) قيمة العملة لا بدَّ له من أنْ يُؤثِّر إيجاباً بالأوضاع والأحوال السياسية والأمنية والاقتصادية للدولة والمجتمع؛ فإنَّ قدراً كبيراً من استقرار النُّظُم السياسية يكمن في استقرار قِيَم العملات القومية؛ لكنَّ هذا الذي قًلْتُ كثيراً ما يُشوَّه معناه، ويُساء فهمه.

والخطأ في الفهم والتقويم يبدأ بالمماثَلة بين "ثَبات قيمة العملة" و"ثَبات سعر صرفها"؛ فقوَّة العملة القومية يجب ألاَّ تُقاس بمقياس واحد فحسب هو سعرها بالدولار، أو بغيره من العملات الصعبة، أو القطع النادر؛ فنحن في الأردن كنَّا، وما زلنا، شهوداً على "دينارٍ" فَقَد كثيراً من قيمته الاقتصادية الحقيقية، أو قيمته الشرائية، في سوق السِّلَع والخدمات، وظلَّ، مع ذلك، مُحْتَفِظاً بسعر صرف ثابت (ومستقر) نسبياً (1.4 دولار تقريباً).

إنَّ الغلاء (في أسعار السِّلَع والخدمات على وجه العموم، وفي أسعار السِّلَع والخدمات الشعبية على وجه الخصوص) يَعْظُم ويتَّسِع، أفقياً وعمودياً، والرُّخْص في السِّعر الحقيقي لسلعة واحدة فحسب هي "قوَّة العمل" يَعْظُم ويتَّسِع هو أيضاً، وبالضرورة؛ أمَّا تلك "السِّلْعة" الورقية، المسمَّاة "الدينار (أو الدولار الأردني)"، فظلَّت محافِظَة على سِعْرِها نفسه (تقريباً) بالدولار؛ ذلكَ لأنَّ الدولة (أو البنك المركزي) تملك من "الورقة الخضراء" ما يسمح لها بموازَنة "الطَّلب (على الدولار)" دائماً؛ وهذا ما يُكْسِب الدولة قوَّة اقتصادية تَسْتَثْمِرها في رَفْع منسوب الاستقرار السياسي والأمني للمجتمع.

لكنَّ وراء هذه الأكمة ما وراءها من الأسباب الاقتصادية التي تَجْعَل الغلاء العام (والمستثنى منه فحسب سلعة "قوَّة العمل" و"الورقة الخضراء") وقوداً، أو ناراً، للغليان (ولمزيدٍ من الغليان) السياسي الشعبي، الكامِن تارةً، والظاهر طوراً، والذي (أيْ هذا الغلاء المتنامي) هو السبب الأعمق (أو البنية التحتية الاقتصادية) للحراك السياسي (والديمقراطي) الشعبي، وعى الناس ذلك أم لم يَعوا.

وإنَّه لتناقُض لا بدَّ من بسطه وشرحه وتفسيره؛ فـ "الدينار" ثابتٌ مُسْتَقِرُّ القيمة بمعيار سِعْر صرفه (أيْ نسبةً إلى الدولار) لكنَّه ينهار، ويتسارَع انهياراً، في قيمته الاقتصادية الفعلية؛ فالمواطنون من العمال والموظَّفين الصِّغار هُمْ الذين يُعاينون يومياً هذا الانهيار المستمر والمتسارع، ويُعانون، يومياً أيضاً، من عواقبه وشروره.

هؤلاء لا يستأثر باهتمامهم استقرار وثَبات سعر الدولار بالدينار؛ فالقيمة "الدينار الواحد يساوي (في استمرار) 1.4 دولاراً" ليست بذي أهمية معيشية يومية عندهم؛ فإنَّ ما يستأثر باهتمامهم اليومي فحسب هو "كمية ونوعية السِّلَع والخدمات" التي يمكنهم الحصول عليها (من أسواقنا) بالدينار الواحد، وكم من الدنانير يشتمل عليها الراتب الشهري الذي يتقاضاه المواطِن (العامِل أو الموظَّف الصَّغير).

ومع ذلك، يَعْلَم هؤلاء أنَّ مزيداً من نار الغلاء سيأتي على الأخضر واليابس من رواتبهم إنْ ارتفع أكثر سِعْر الدولار بالدينار بسبب تراجع دَخْل الدولة من "الورقة الخضراء"، التي بها تستطيع شراء أيِّ شيء من الأسواق العالمية، ومن أجل الحصول عليها يُباع كل شيء، حتى الأشياء التي ليست "سلعاً" بطبيعتها، والتي (أيْ "الورقة الخضراء") بميزانها، أيْ بمقدارها، نَزِن الدول.

وأحسبُ أنَّ المواطِن (والعامل على وجه الخصوص) يحتاج إلى معرفة المعنى الحقيقي لامتلاكه "الدينار (على شكل راتب)" أو "الدولار"؛ فالصِّلة بين العامل وربِّ العمل هي، في أصلها ومبتدأها، صلة "دائنٍ" بـ "مدين". إنَّ العامِل هو "الدائن" لربِّ العمل، الذي بعد شهر من عمل العامل يَدْفَع له الدِّيْن؛ لكنَّه لا يَدْفَعه له إلاَّ بعد أنْ يكون قد حَصَل من العامِل نفسه على "دَيْنٍ آخر (ومن نوع خاص، هو الربح)" لا يَدْفَعه له أبداً.

ومع حصول العامِل (أو الموظَّف) على راتبه الشهري، أيْ على مقدار معيَّن من الدنانير، يغدو دائناً؛ لكن هذه المرَّة للدولة لا لربِّ العمل؛ فإنَّ كل دينارٍ تملك هو دَيْنٌ لكَ على الدولة، التي بمساهمتها (الواعية أو غير الواعية) في صَبِّ مزيدٍ من الزيت على نار الغلاء لا تَدْفَع لكَ الدِّين كاملاً غير منقوص، وكأنَّها تشتري ديونها بأسعار رخيصة، تزداد رخصاً.

أمَّا الدولار الذي تملك فيُعطيكَ الحقَّ في أنْ تَفْخَر بأنَّكَ دائنٌ (لا مدين) للقوَّة العظمى في العالَم!

قُلْتُ ليس بذي أهمية أنْ يُقال للمواطِن "اطْمَئِن؛ فالدولة ستظلُّ فارساً لا يُشَقُّ له غبار في معركة الحفاظ على سِعْر صرف الدينار"، أو في معركة الحفاظ على المعادَلة "دينار واحد = 1.4 دولار".

المواطِن يهمه فحسب القيمة الاقتصادية (والشرائية) الحقيقية الفعلية للدينار؛ يهمُّه أوَّلاً، ثَبات "سِعْر" الدينار باللحم والأرز والسكَّر والعدس والحليب والبنزين والسولار والكهرباء..، ويهمُّه أنْ يشتري بـ "1.4 دولار" من السوق في بلده ما يَعْدِل ما يشتريه المواطِن في الولايات المتحدة من السوق في بلده، لا ما يَقِل عنه، ويهمُّه تضييق الفجوة الواسعة جدَّاً بين الحدِّ الأدنى من الأجور في بلده والحدِّ الأدنى من الأجور في وطن "الورقة الخضراء"؛ وإلاَّ ظلَّت صلة "الدولار الأردني (أيْ الدينار)" بـ "الدولار" كصلة "النَّقْد المزوَّر" بـ "النَّقْد الحقيقي"!

جواد البشيتي