هل القضاء التركي غير مسيس؟

بقلم: د. دياري صالح مجيد

القضاء من المؤسسات الدستورية المهمة في جميع دول العالم فهو الذي ينظم الحياة القانونية لسكان اي بلد كما ينظم العلاقة بين الدولة كمؤسسة للحكم والافراد كمواطنين في هذه الدولة، وبدونه تتحول الحياة الى فوضى عارمة يملؤها العنف والانتقام بدلا من الاحتكام الى مبادئ القانون التي يفترض بها حماية الجميع دون تمييز يذكر. وهو بذلك يصبح الضامن الكفيل لولادة الدولة المدنية التي تُكفل فيها الحقوق الجمعية للمواطنين وتُؤسس فيها العلاقة التعاقدية بين الحكومة والشعب على اسس احترام مفردات القانون وبالتالي بقية مؤسسات الدولة.

واذا كان هذا الحال في اغلب الدول المتقدمة، فان الوضع في بلداننا الشرق اوسطية يختلف بدرجة غير متساوية من دولة الى اخرى ومن حالة الى اخرى ذات علاقة بالقضاء. فالقضاء في دولنا ساحة اخرى من ساحات المعارك السياسية يتم فيه تصفية الحسابات والخصوم (بغض النظر عن حقيقة الجرائم التي ارتكبوها من عدمه)، وتكون فيه الغلبة لمن ينتمي الى حزب قوي او عشيرة قوية تدفع باتجاه تحويل المجرم الى بريء او العكس في الحالة المغايرة. وهو ما اتاح للبعض امكانية ادخال احكام القضاء الى مجال الخلافات المذهبية والقومية خاصة عندما يكون المتهم سياسي بارز في كتلته التي عادة ما تمثل قومية او مذهب ما. ومن اصر على مثل هذا التفسير المقصود لقرارات القضاء انما اراد به صب مزيد من الزيت على نار المنافسة السياسية غير النزيهة التي تجري في الكثير من الساحات الشرق اوسطية، وبالطريقة التي اظهرت عن عمد كثير من المجرمين على انهم ابرياء ومظلومين كما قادت الى محاولة تحويل القضاء لدى البعض الى مجال اخر من مجالات تنافس القوى الاقليمية المؤثرة.

في العراق ادخل القضاء قسرا الى مجال الصراع السياسي بين الاحزاب الحاكمة وتم الطعن بنزاهته ومصداقيته التي يفترض به ان يتمتع بها. ففي الاشهر الماضية كانت قضية طارق الهاشمي، النائب السابق لرئيس الجمهورية والمدان باعمال ارهابية، من بين اكثر القضايا التي برزت الى السطح في طبيعتها السياسية والقضائية معا. وبغض النظر عن الجرائم المنسوبة لهذا الشخص، فان الحكم الصادر ضده قاد الى تعمد الاخرين لادخال الموضوع الى ميدان الطائفية وتم تصويره على انه بطش شيعي بسياسي سني! دون ان يتساءل البعض لماذا طارق الهاشمي وليس اياد علاوي او غيره من قيادات القائمة العراقية؟ كما لم يلتفت اصحاب هذه الاتهامات الى مناقشة حقيقة الجرم والدلائل الداعمة له من عدمها، ليتم في ضوئها بناء الاستنتاج المنطقي الخاص بهذه القضية من حيث قبولها او رفضها وفقا للقانون وليس لتصورات الصراع السياسي. وهنا جاء دور العراب التركي الذي يريد ان يقدم نفسه للجمهور العربي بانه الحامي والمدافع الجديد عن السُنة في العالم العربي ضد ايران الراعية للشيعة فيه، اذ اعربت القيادات التركية عن تشكيكها بنزاهة القضاء العراقي وامتناعها عن تسليم الهاشمي تحت اي ظرف كان، على اعتبار ان القضاء العراقي مسيس ويجب اجراء تغيير شامل في مؤسسته وعبره في الدولة العراقية كي يطمئن الاخرون لنزاهته.

بالتأكيد لا نستطيع هنا ان نكون مجافين لحقيقة التسييس في القضاء العراقي ولا نريد ان نقع في شرك الازدواجية عند الحديث عن احكام اتخذ فيها قرارات مخففة مقارنة بقضايا مشابهة اتخذ فيها قرارات مشددة، فقبل ايام فقط اعرب رئيس الحكومة العراقية عن شكواه من حالة التسييس تلك قائلا "ان بعض السياسيين يمارسون الضغط على القضاة، وأكد أن القاضي لا يستطيع العمل مع وجود تلك الضغوطات، كما اعتبر أن السلطة التنفيذية ضعيفة من دون وجود القضاء". واحد اسباب هذا الامر تعود الى كون الدولة العراقية الحالية وكما هو معروف على الصعيد الدولي، تقع في اعلى سلم الدول الاكثر فسادا في العالم. فكيف يصبح القضاء عادلا وفقا لمعايير الدول المتقدمة في دولة توصف بهذا الوصف!. لكن ان اطلق هذا الوصف على قضاء دولة اخرى لا تقارن بمرتبة الفساد المالي والسياسي المستشري في العراق، فعندها يحق للمرء ان يستغرب هذا الوصف ويتساءل عن اسبابه اذا ما كانت سياسية من غيرها.

وقفة اردوغان المعروفة من القضاء العراقي قد يظنها البعض وقفة رجل دولة نزيه لا يرتضي لنفسه ان يوصف هو او القضاء في بلده بذات الاوصاف التي يطلقها على خصومه، لكن الحقيقة مغايرة لذلك تماما في ظل رؤية الحكومة التركية الحالية للاوضاع في العراق وفي غيره من الدول المهمة في الاقليم. وهنا دخلت اللعبة السياسية بين العراق وتركيا الى مجال اوسع يتجاوز حدود التوتر التقليدية المعهودة بين الطرفين، الى مماحكة ما بين رئيسي وزراء لدولتين كبيرتين ومهمتين في اقليمهما الجغرافي، لكن هذه المرة في مجال تسييس القضاء والتساؤل عن اي من القضاءين اكثر تأثرا بالصراع السياسي الداخلي والاقليمي. لذا لا نستغرب اذا ما قام الجانب العراقي هو الاخر باتخاذ ذات الاسلوب الذي يعتمده اردوغان فيما يتعلق بالتشكيك بنزاهة القضاء. خاصة وان الدولة التركية التي يقودها حزب العدالة والتنمية وتعيش في كثير من الاحيان صراعا خفيا مع المؤسسة العسكرية، قد عمدت هي الاخرى الى تسيس القضاء فيها لصالح الحزب الحاكم هناك، واذا بالامر يتحول الى صيغة مشابهة لما اتهم به النموذج العراقي من قبل الجانب التركي.

ففي اطار محاكمة من يُشار اليهم على انهم عسكريون ارادوا الاطاحة بالنظام التركي بطرق عنيفة، نجد بان البعض يقول بان هذه المحاكمة هي نوع من الانتقام السياسي الذي يمارسه حزب العدالة والتنمية في تركيا وبمباركة اميركية ضد خصومه في المؤسسة العسكرية التي امتنعت من قبل عن الموافقة على فتح اراضي واجواء تركيا لقوات التحالف التي احتلت العراق في حينها، فضلا عن الخلاف التقليدي بين الطرفين في تركيا منذ ان برز فيها دور الاحزاب الاسلامية. لذا جاء على لسان بعض من الذين عبروا عن سخطهم على هذه المحاكمة بالقول "نعلم السبب الحقيقي لمحاكمة الجنرالات، فقادة الحكومة الحالية يحاسبون من أطاحوا بحكومتهم آنذاك، لأن معظم قادة حزب العدالة والتنمية الحاكم كانوا أعضاء في حزب الرفاه الحاكم، وحرم كثير منهم من العمل السياسي، وأدخل بعضهم السجن كرئيس الحكومة الحالي طيب اردوغان". وهو ما جعل طيف واسع في تركيا يتهم الحكومة الحالية بالوقوف وراء تسيس المحكمة نكاية بهؤلاء القادة. وهو ذات السبب الذي يفسر قيام الكثير من اؤلئك الذين حضروا الى المحكمة بتاريخ 20 سبتمبر/ايلول بالقيام بالتصفيق للمحتجزين وترديد بعض الهتافات التي جاء فيها "تركيا فخورة بكم... ونحن جنود مصطفى كمال".

وفي موقف اخر له علاقة بذات التوجه، نجد بان لقاء اردوغان الاخير بقيادات واعضاء حزب السلام والديمقراطية الكردي الذي جرى في البرلمان التركي، قد تضمن توجيهه لهم رسالة مباشرة وواضحة مفادها "اما البقاء في البرلمان والحصول على مزيد من الاحترام، او الذهاب الى المحكمة لنيل الجزاء الذي تستحقون جميعا". وهنا لم يترك اردوغان مجالا لخصومه السياسيين للتفكير بحل وسط لعلاقتهم المضطربة معه، ومن خلال ذلك نستشف ايضا بان القضاء في تركيا مسيس على اعتبار ان اردوغان اذا ما حصل على تعهد من هذا الحزب يخص علاقته بالمنظمات الكردية او بالامتناع عن افشاء اسرار الحوار التركي – الكردي في اوسلو، فانه سيكون بعيدا عن محاسبة القضاء له والعكس يصح ايضا هنا، وكانه بذلك يقول لهم لدي ملفات استخدمها ضدكم فاما الاستجابة لما اريد واما فتح هذه الملفات امام المحاكم!.

اما عن السبب الذي جعل اردوغان يهدد اعضاء هذا الحزب علانية في البرلمان فهو قيام بعض اعضاءه بمصافحة وعناق بعض الشخصيات المنتمية لحزب العمال الكردستاني! وهو حزب يتهم من قبل القيادات التركية بانه ارهابي ويوضع على لائحة المنظمات الارهابية الدولية. فاذا كان الامر كذلك الا يتوجب على الاتراك جميعا المطالبة او على الاقل التهديد بمحاكمة القادة الاتراك من الذين لهم علاقات رسمية ومباشرة بشخصيات اسرائيلية واسلامية متطرفة وضعتها المنظمات الانسانية في قمة قائمة الارهاب الدولي ضد المدنيين؟

علينا ان نعترف بان القضاء تأثر الى درجة ما بالسياسة في الكثير من اوطاننا في الشرق الاوسط، لذلك علينا ان لا نسمح لقادة بعض الدول بان يستمروا في ممارسة تزييف عقولنا بنزاهة قضاءهم وفساد قضاء خصومهم. وهنا يعد الصراع السياسي احد اهم الاسباب التي تقف وراء هذا الخلل الذي يمكن ان توصف به حال المؤسسة القضائية في بلداننا، التي تحتاج الى اعادة نظر جدية في علاقة السياسي بالقضاء وبالمجتمع على حد سواء. لذا فان تركيا التي تطعن بنزاهة القضاء العراقي وتدعي انه متأثر بالسياسة وصراعاتها، عليها ان لا تنتظر من الاخرين لي عنق الحقيقة تجاه ما تمارسه السياسة من تأثير في مؤسسة القضاء التركي في الوقت الحاضر.

د. دياري صالح مجيد

كاتب واكاديمي عراقي

Dr.diearrysm_iraqiwriter@yahoo.com